فاس : محمد غفغوف
في مشهد يبعث على الاستغراب، تواصل مصالح الثقافة بجماعة فاس ومقاطعاتها الست تسجيل غياب شبه تام عن أداء دورها في النهوض بالشأن الثقافي، رغم توفرها على ميزانيات مخصصة لهذا القطاع الحيوي، علما أن الثقافة تُعتبر قاطرة أساسية في أي مشروع تنموي جاد، إلا أن المسؤولين المنتخبين والإداريين المفترض فيهم تحريك عجلة الإبداع في المدينة، يظهرون في أغلبهم بعيدين كل البعد عن هذا المجال، وكأن الأمر لا يعنيهم!
ما يفاقم الوضع هو أن هذه المؤسسات تتوفر على اعتمادات مالية خاصة بالثقافة، لكنها تبقى حبيسة التقارير السنوية أو تُصرف في أمور لا تمت بصلة لجوهر التنمية الثقافية، فبدل أن تُخصص هذه الأموال لدعم الفاعلين الثقافيين الجادين، تنظيم مهرجانات ذات قيمة، ترميم الفضاءات الثقافية، وتشجيع الفنون بمختلف أشكالها، نجد أن الواقع عكس ذلك تمامًا: لا أنشطة جادة، لا مبادرات نوعية، ولا حتى رؤية واضحة للقطاع.
والمفارقة الكبرى أن العديد من المنتخبين المشرفين على هذه المصالح يتقاضون تعويضات محترمة، يستفيدون من امتيازات مختلفة، لكنهم لا يحركون ساكنًا لتنشيط المشهد الثقافي المحلي، فكيف يُعقل أن يكون مسؤول الشأن الثقافي شخصًا لا يملك أدنى دراية بالمجال؟ كيف يمكن انتظار مبادرات ثقافية من منتخبين آخر اهتماماتهم هو الإبداع والفنون؟ في المقابل، نجد بعض المسؤولين القلائل الذين يملكون رغبة حقيقية في التغيير، لكنهم يواجهون عراقيل داخلية وسياسات إدارية تعيق أي محاولة إصلاح.
لا يمكن لأي مدينة أن تحقق تنمية حقيقية دون رؤية ثقافية متكاملة، فالثقافة ليست ترفًا، بل هي عنصر أساسي لصناعة الوعي، محاربة التطرف، تعزيز الهوية المحلية، وجعل فاس فضاءً حيويًا نابضًا بالإبداع.
واليوم، على كل الفاعلين، من المجتمع المدني إلى الإعلام، فضح هذا التهميش الممنهج للقطاع الثقافي، والضغط من أجل سياسات ثقافية حقيقية تُنصف فاس كعاصمة تاريخية وحاضنة للإبداع.
إلى متى سيستمر هذا العبث؟ متى سيدرك مسؤولو الشأن المحلي أن الثقافة ليست مجرد بند ثانوي في الميزانية، بل أساس أي مشروع تنموي جاد؟
وللحديث بقية …

