المغرب 360 : محمد غفغوف
في زمن انحدار الخطاب السياسي وتفاهة السجالات الحزبية، يطل علينا كتاب “إسماعيل العلوي: نبل السياسة، مسيرة حياة” كجرس إنذار ودفتر دروس مكثف في الأخلاق والنضال، توقيع هذا العمل خلال فعاليات المعرض الدولي للكتاب والنشر لم يكن مجرد لحظة احتفائية، بل محطة مشحونة بالمعاني، حضرها رموز الفكر والسياسة والثقافة، ممن يعرفون أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالرجال والمواقف.
العمل الذي استغرق الصحافي محمد السراج الضو ثلاث سنوات من البحث والتقصي، وصدر عن دار أبي رقراق في 700 صفحة، ليس مجرد سيرة ذاتية لقيادي سياسي مخضرم، بل شهادة على زمن كامل، من النضال السري في صفوف الحزب الشيوعي المغربي، إلى مواقع القرار في حزب التقدم والاشتراكية، مروراً بمراحل صاخبة من التحولات الوطنية.
مولاي إسماعيل العلوي، كما يكشف الكتاب، لم يكن يوماً مجرد قيادي حزبي أو وزير سابق، بل كان مثقفاً ملتزماً، ومرآة لعصر جمع بين السياسة والثقافة، بين الفلاحة والفكر، بين أخلاق الميدان ونقد الذات.

وقد نجح السراج الضو في رسم بورتريه سياسي وإنساني مغاير، خال من التملق أو التقديس، وغني بالتفاصيل والصور النادرة التي تفتح شهية القارئ لإعادة طرح أسئلة الماضي والحاضر.
وفي زمن تراجع القيم وتسليع السياسة، يأتي هذا المؤلف ليعيد الاعتبار لمفهوم “النبل السياسي”، لا كشعار رومانسي، بل كممارسة حياتية وثقافية، نحتها إسماعيل العلوي على امتداد ستين عاماً من الانخراط الهادئ والمستميت في معارك الكرامة والديمقراطية.
الكتاب رسالة مفتوحة إلى شباب اليوم، قبل أن يكون أرشيفاً لمناضل، ورسالة تقول: يمكن للسياسي أن يكون مثقفاً، ويمكن للمناضل أن يظل نظيف اليد واللسان، ويمكن للذاكرة أن تصبح ذخيرة مستقبل، إذا وجدت من يحسن كتابتها.

