المغرب360: محمد غفغوف
شهدت مدينة وزان، أيام 3 و4 و5 ماي 2025، انعقاد المؤتمر الفكري الرابع لحركة الطفولة الشعبية تحت شعار: “التربية على تدبير المجال الرقمي والإعلامي”، في لحظة فكرية وتربوية متميزة طبعتها مداخلات نوعية ونقاشات تفاعلية عكست عمق الرؤية وانشغال الفاعلين بتحديات العصر الرقمي.
ويأتي هذا الحدث الهام امتدادًا لمسار طويل من المبادرات التربوية التي دأبت الحركة على إطلاقها منذ ربيع سنة 1992، حيث شكل المؤتمر تتويجًا لسلسلة من الندوات والورشات الجهوية والمحلية التي قاربت الإشكالات الراهنة المرتبطة بتأثيرات الفضاء الرقمي على الأطفال والشباب، في ظل الاستعمال المتسارع والمكثف لوسائط التواصل الاجتماعي.
المؤتمر أبرز الوعي المتقدم الذي راكمته الحركة تجاه التحديات التربوية والإعلامية التي يفرضها الواقع الرقمي، مؤكدة من خلاله تشبثها بثوابت التربية الشعبية وانخراطها المستمر في تفعيل مضامين اتفاقية حقوق الطفل.
وقد أضفى الحضور الوازن لعدد من الكفاءات الأكاديمية والمؤسسات الوطنية، من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان ورئاسة النيابة العامة ومؤسسات جامعية مرموقة، بعدًا علميًا ومؤسساتيًا على أشغال المؤتمر، وساهم في إغناء النقاش حول سبل حماية الطفولة داخل الفضاء الرقمي.
وتعزز هذا البعد بالانفتاح على التجارب الدولية، من خلال التعاون مع حركة الأصدقاء الصرحاء الفرنسية، الذي تُرجم عبر تنظيم ورشات تفاعلية داخل القرية الرقمية التي احتضنتها ساحة المدينة، مما أتاح فسحة حوار وتبادل ثقافي وتربوي نوعي.
ومن اللافت أن افتتاح المؤتمر تزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، ومع الذكرى الثلاثين لدخول الإنترنت إلى المغرب، وهي مصادفة منحت النقاش أبعادًا عميقة حول تقاطعات حرية التعبير، والتربية الإعلامية، وحماية الفئات الهشة من المخاطر الرقمية.
وفي سياق هذا التحول الرقمي المتسارع، وما يصاحبه من فجوات رقمية، وتضليل إعلامي، ومخاطر تمس الخصوصية، وجهت حركة الطفولة الشعبية نداءً إلى كافة الفاعلين في مجالات التنشئة، والتربية، والإعلام، من أجل توحيد الجهود لتعزيز الوعي الرقمي المسؤول، وترسيخ ثقافة المواطنة الرقمية، وتطوير المهارات الرقمية للأطفال والشباب، بما يضمن تعاملاً رشيدًا وآمنًا مع التكنولوجيا الحديثة.
كما شددت على أهمية دور الأسرة، والمدرسة، والمجتمع المدني في مواكبة هذا الورش الحيوي، منبهة في الآن ذاته إلى خطورة بعض الظواهر الرقمية، كالألعاب الإلكترونية العنيفة وتحديات الذكاء الاصطناعي، وما تستدعيه من يقظة تربوية، وإدماج ذكي للقيم المجتمعية داخل المحتوى الرقمي.
وفي خطوة عملية لتفعيل هذه الرؤية، أعلنت الحركة عن تأسيس “مركز الطفولة الشعبية للتربية الإعلامية والرقمية”، كمبادرة علمية مستقلة وغير ربحية، تروم إنتاج المعرفة الرقمية، وتنظيم لقاءات تكوينية، وبناء شراكات وطنية ودولية تعزز التربية الرقمية.
ويمثل هذا المشروع تتويجًا لمسار نضالي طويل خاضته الحركة في سبيل حماية الطفولة والنهوض بقدراتها، ويعكس في الوقت ذاته طموحها في بناء مجتمع رقمي واعٍ، ينخرط فيه الأطفال والشباب كمواطنين فاعلين، لا كمستهلكين سلبيين.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، يظل الرهان الأكبر هو تكوين جيل يمتلك أدوات التمييز والتفكير النقدي، قادر على التفاعل الواعي مع مستجدات العصر، دون التفريط في القيم التي تشكل أساس التربية والمواطنة.

