المغرب 360 : محمد غفغوف
فجأة، ودون سابق إنذار، خرج بعض المنتخبين داخل مجلس جماعة فاس من صيام طويل عن الكلام، واكتشفوا أن بالمدينة رياضة ورياضيين وجمعيات تستحق الدعم. ارتفعت الأصوات، اشتعلت التدوينات، وتحوّل الفضاء الأزرق إلى حلبة ملاكمة سياسية، كل طرف يزايد على الآخر باسم الغيرة على القطاع، وكل واحد ينصّب نفسه حاميًا لحقوق الرياضيين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين كانت هذه الحماسة طيلة السنوات الماضية؟ وأين كانت هذه “الغيرة” حين كانت الجمعيات تصارع وحدها ضعف الإمكانيات وتعقيدات المساطر وغياب رؤية واضحة للدعم؟
المشهد اليوم يكشف بوضوح أن الأمر لا يتعلق فقط بالدفاع عن الرياضة، بل بصراع مواقع مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. كل منتخب يدافع عن فريقه “المقرّب”، وكل مسؤول يتهم الآخر بعرقلة دعم جمعية بعينها، وكأن المال العمومي أصبح امتدادًا لولاءات ضيقة لا لسياسة رياضية عادلة ومنصفة.
الأخطر أن بعض أعضاء المكتب المسير أنفسهم دخلوا على الخط بخطاب مزدوج: حديث عن العدالة في توزيع الدعم من جهة، وتلميحات واتهامات متبادلة من جهة أخرى. تحوّلت الرياضة إلى ساحة تصفية حسابات داخلية، وتحوّل الرياضيون إلى وقود لمعركة انتخابية مبكرة.

في خضم هذا الصخب، برز صوت من داخل المجلس يحذّر من خطورة إسناد المسؤوليات إلى غير أهلها، ويذكّر بأن النتائج الكارثية لا تُنتظر بل يُتحرك لتفاديها. الرسالة كانت واضحة: الرياضة ليست منصة لتسخين الحملات، وليست مجالًا للمناورة، بل اختصاص يحتاج إلى كفاءة ورؤية ومسؤولية.
غير أن ما نراه اليوم يوحي بعكس ذلك. بدل تقديم حصيلة دقيقة لما أُنجز، نسمع تبادلًا للاتهامات حول من وقف ضد دعم هذه الجمعية أو تلك، ومن عرقل هذا الفريق أو ذاك. وكأن الإشكال لم يعد في غياب استراتيجية رياضية متكاملة، بل في من يظفر بولاء أكبر عدد من الأندية قبل موعد الاقتراع.
إن المال العمومي ليس غنيمة، والدعم الرياضي ليس هبة شخصية. هو حق يُمنح وفق معايير واضحة وشفافة، لا وفق القرب السياسي أو الحسابات الانتخابية. حين يُربط الدعم بالولاء، تُقتل روح المنافسة، ويُزرع الشك داخل الجسم الرياضي، ويضيع الهدف الحقيقي: خدمة شباب المدينة.
فاس أكبر من أن تُختزل في صراع فرق موالية لهذا المنتخب أو ذاك. وأكبر من أن تتحول ملاعبها وقاعاتها إلى منصات دعاية مقنّعة. من يريد الدفاع عن الرياضة فليدافع عنها بمشروع متكامل، بميثاق دعم شفاف، وبكشف علني للأرقام والمعايير، لا بخطابات موسمية سرعان ما تخفت بعد انتهاء الحملة.
الرياضة في فاس تحتاج إلى إصلاح عميق في الرؤية والتدبير، لا إلى مهرجان خطابي عابر. تحتاج إلى مسؤولين يشتغلون طيلة الولاية، لا إلى أصوات تستيقظ فقط عندما تدق ساعة الانتخابات.
أما الاتهامات المتبادلة اليوم، فهي في حقيقتها اعتراف غير مباشر بأن القطاع كان رهينة حسابات ضيقة. ومن يعترف ضمنيًا بالمشكل، عليه أن يتحمل مسؤوليته كاملة أمام الرأي العام.
فالمعركة الحقيقية ليست بين منتخب وآخر، ولا بين فريق وآخر. المعركة هي بين من يؤمن بأن الرياضة مشروع مدينة، ومن يراها مجرد ورقة انتخابية تُستعمل ثم تُرمى. والزمن كفيل بكشف من كان يشتغل بصمت، ومن كان ينتظر صافرة البداية الانتخابية ليخرج من جحره.

