بقلم : محمد غفغوف
في مدينة فاس، التي شكلت عبر التاريخ خزّانًا للنخب الوطنية ومشتلًا للمدرسة السياسية التي أسسها الزعيم علال الفاسي، يفرض حضور الدكتور علال العمراوي نفسه كأحد الوجوه التي راكمت مكانتها بثبات داخل المشهد الحزبي
والبرلماني، دون ضجيج، ولكن بكثير من الالتزام والمسؤولية.
هو من جيل جمع بين التكوين الأكاديمي والانخراط السياسي، حيث حمل مهنة الطب كرسالة إنسانية، وجعل من العمل العام امتدادًا طبيعيًا لها، في الدفاع عن كرامة المواطن وقضاياه الاجتماعية، وهو ما منحه صورة السياسي القريب من الناس، والمنشغل فعليًا بهمومهم اليومية.
داخل حزب الاستقلال، لم يكن مساره وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سنوات من التدرج داخل الهياكل التنظيمية منذ مرحلة الشباب، حيث ساهم في تأسيس رابطة الأطباء الاستقلاليين، قبل أن يتحمل مسؤوليات تنظيمية متقدمة قادته إلى عضوية اللجنة التنفيذية للحزب، في مسار يعكس الوفاء لقيم التنظيم والانضباط لمبادئه. وعلى المستوى المؤسساتي، راكم تجربة برلمانية تمتد لثلاث ولايات داخل مجلس النواب المغربي، حيث بصم على حضور متزن في النقاشات التشريعية، واشتغل على ملفات اجتماعية وصحية، كما تحمّل مسؤولية رئاسة الفريق الاستقلالي، وهو موقع لا يُسند إلا لمن راكم الثقة والكفاءة والقدرة على الترافع داخل المؤسسة.

يتميّز العمراوي بأسلوب هادئ في العمل السياسي، يبتعد عن المزايدات، ويركّز على الفعل المؤسساتي والانضباط الحزبي، دون أن يفقد صرامته في الدفاع عن مواقفه وقناعاته. هذا التوازن بين الهدوء والفعالية جعله يحافظ على صورة السياسي الجاد، الذي يشتغل بمنطق الدولة لا بمنطق اللحظة، ويؤمن بأن المسؤولية تكليف وليست امتيازًا. كما ظل وفيًا لمرجعية المدرسة الاستقلالية التي تربط العمل السياسي بالنزاهة ونظافة اليد، وهو ما انعكس على مساره الذي بقي بعيدًا عن الشبهات، قائمًا على التدرج والاستحقاق.
ورغم هذا المسار، فإن الاختلاف مع علال العمراوي في بعض القضايا والمواقف يظل أمرًا واردًا بل وطبيعيًا في العمل السياسي، غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أن الرجل يظل نموذجًا لفاعل سياسي احترم قواعد اللعبة الديمقراطية، واشتغل داخل المؤسسات بروح المسؤولية. فالاختلاف معه لا يُنقص من رصيده، بقدر ما يؤكد أنه جزء من حيوية النقاش العمومي، وأنه من الشخصيات التي تُناقش وتُنتقد، لكنها في الآن ذاته تفرض الاحترام بما راكمته من تجربة وحضور.
ارتباطه بمدينة فاس لم يكن ظرفيًا، بل ظل عنصرًا ثابتًا في مسيرته، حيث يُعد من الأصوات التي دافعت عن قضاياها داخل المؤسسات، وسعت إلى نقل انشغالات ساكنتها إلى دوائر القرار، في وعي منه بأن العمل الوطني الحقيقي ينطلق من خدمة المجال الترابي. وبين رصيده المهني كطبيب، وتجربته السياسية كبرلماني وقيادي حزبي، يقدّم علال العمراوي صورة لسياسي راكم التجربة دون أن يفقد صلته بالميدان، واستطاع أن يحافظ على توازن نادر بين القرب من المواطن والاشتغال داخل المؤسسات، في مرحلة سياسية تحتاج إلى كفاءات تجمع بين المصداقية والخبرة، وتعيد الاعتبار للعمل السياسي النظيف والمسؤول.

