بقلم : رحمن خضير عباس
حينما أقرأ ديوانا زجليا مغربيا، أقع دون أن أدري، في قبضة المقاربة مع الشعر الشعبي العراقي، من حيث، إنهما ينهلان، من معين اللهجة المحكية، برُقيّها، و واقعيتها، وقدرتها على التعبير، تلك اللغة التي تحيط بقائلها، تُسعفه بما تملك من قدرة، على التعبير، والإيحاء، كما تحيطه بالمثل الدارج والحكمة، وتجارب السلف، كما تجعله متّحدا بمحيطه الاجتماعي، مُبحرا بين زواياه، وأمواجه. فالشاعر الراحل، مظفر النوّاب، امتلك ناصية اللهجة الجنوبية، حينما عاش، ردحا من الزمن، بين الشرائح الاجتماعية المهمشة، والتي بدورها، فجرت فيه، ينابيع من الصور، والتشبيهات، والمعاني في قصائد شعبية، تحوّلت إلى قصائد، وأغانٍ، يرددها الجميع.
الشاعر الزجّال، حميد تهنية ، استطاع أن يجعل، من اللهجة المغربية، زورقا يُبحر به، ويخوض لُجّة المعاني، وعواصف اللغة، يروّضها أحيانا، ويتماها معها أحيانا أخرى، شأنه شأن، مظفر النواب، مستخدما إمكاناته، في التغريد باللغة، حتى تأتي، بعض قصائده كالأغاني، التي تمتلك أصواتاً هامسة تتغلغل في الذَّوق، وتتسامى في اللَّحن.
لقد جاءت تلك الأزجال، معبرة عن هموم المتعبين ، برسم ملامح وجُوهِهم، وهي تغرق في منعطفات الحياة، و تنوء بأعبائها. إنهم (الأولاد) المهمشون، الذين يتوسدون الأرصفة القاسية، لا بديل لديهم، فقسوة الحياة، وسوء التدبير، والظروف القاهرة، رمتهم كالقمامة، في هذه الحالة من الخواء المطلق، تتلوّث، طفولتهم باليأس، والفاقة، لذا فالشاعر، ينهمك في هذا المسح الطوبوغرافي لطبقات المجتمع، فيلتقط الكثير من السلبيات الشائعة، في هذا النسيج غير المتجانس، في محاولة لرتق تلك العيوب، بخيوط من المحبة، و التعاطف، بلهفة الرغبة، في معانقة تلك الهموم، والنطق بأفواه، مَنْ لم يستطع التعبير، عن حجم عجزه، فتأتي قوافي، الشاعر حميد تهنية الزجلية، لتكون صوتا لهؤلاء، فتنطق من خلال حناجرهم، صادحةً بصوتهم ، ورُؤاهم، حيث ينتزع منهم، ألذ ما يحلمون، ليُحوِّل ذلك، إلى قصائد زجلية، قادرة على إشاعة الرضا ، في ملامحهم المُتعبة، وهم يخوضون، في لعبة الكد اليومي للبقاء، لذلك فقصائده، تنبض بالفرح، الذي يتجاوز المألوف، يعانق بسمة الأطفال، و الشيوخ، يستنشق عبيره، من العيون التي ترنو، إلى الأفق البعيد، حالمة بمستقبل لا حدود له.

ورغم ما تُكابِده، بعض قوافيه، من حزن شديد أحيانا، لكنها تؤمن بأن السعادة، ستأتي لا محالة، لأن الحزن طارئ، والفرح متأصل، في الروح، التي تنشد الجمال، من خلال مناجاة المتعبين والسهرانين، والذين يكدحون، في البرد، والصهد، كي يأكلوا كسرة الخبز، التي تثير فيهم القدرة، على المجاوزة، كما أنها تناجي، في بوحها ، جدران المدن المغربية العريقة، بمآثرها، تلك المدن التي تتحول جدرانها، إلى مسرح يومي، للحياة الجادة، والعابثة في توازن مُدهش، حيث المعايشة الحادة بين المدن، والبشر.
وفي هذا السياق، يطرح لنا ، في بعض قصائده ، لهفة الحب لامرأة يجردها، من نزوات الراهن، من الزمن، حينما يطلق اسم (إقليما) وفي الحاشية يشير، إلى أنها، إحدى بنات سيدنا آدم، ومن خلال تلك القصيدة، يبرز التلاحم، مع المعشوقة، في أجمل تجلياتها، حيث حدة الصراع، و العتاب، والجدل، فتبدو متنكرة له، جاحدة لعواطفه، غير أنه، لا يتوسل إليها بخضوع، بل يلجأ إلى خشونة اللفظ، الذي يشي بعمق صراع العواطف، التي تغلي في دمائه. والحب في قصائد الشاعر حميد تهنية ، يسمو إلى الغرام، بالأفكار والقِيَم النبيلة.
إنه ليس ذلك الحب الغرائزي الطارئ، وإنما ذلك الذي، يسمو بالعاطفة ، ويجعلها مرادفة للقيم العليا. ولا تتوقف تلك العواطف، على الغرام باعتباره غريزة إنسانية، بل تتجاوز ذلك، إلى حب أزلي مطلق، يتجلى في مدائحه النبوية، وفي إيماءاته الصوفية.
قد يكون موقف الشاعر متفرداً، في التصدي لبعض الظواهر الاجتماعية، ومنها الانغمار الكلي، في جنون الألعاب الرياضية، وخاصة كرة القدم، التي تتحول، إلى نوع من الخَبَال، الذي ينتزع الشرائح المهمشة من واقعها، لتنغمر في حلم الانتصارات، التي تحققها لهم الساحات، وشاشات التلفاز، مؤكدًا، إن الانتصار الحقيقي للمجتمع، يكمن في رُقي وعيه، و تخلصه، من كل مظاهر التخلف والسلبية.
وبالقدر الذي، يناهض بقصائده، بعض السلوكيات، التي يعتقد أنها غير مفيدة، فإنه يتحول إلى مفاهيم إصلاحية، ومنها الأفكار، التي تتعلق بمحو الأمية، وواجب السعي الحثيث لمعالجات جادة من أجل ترسيخ ، وتأصيل التعليم، وجعله سُلّما للتقدم، والدعوة إلى القراءة، والتعلم، والاستفادة من معطيات التطور، والتي بدورها، تجعل الناس أكثر قابلية للتقدم المنشود، كما لا ينسى أن يُدِينَ بعض الظواهر، التي يعتبرها شاذة، باعتبارها معززة، و مُكرسة للتخلف، ويطرح أمثلة كثيرة، وجدناها بين قصائده، معتقدا بوجوب تلاشيها، ومنها الرشوة، والمحسوبية ، التي تضر المجتمع، وتساهم في عدم المساواة، بين أفراده، وطبقاته.
وبالقدر التي تأتي، قصائده زاخرة بالمعاني الراقية، من حيث مضامينها، فإنها ترتدي أثوابا جميلة، وفنية، في الإيقاع، وموسيقى الشعر، وحالما تقرأ تلك القصائد، حتى تجد نفسك بين أنغام طرب الملحون، وأناقة أصوات جيل جيلالة، من هنا تكمن أهمية الزجل، وكأنه شعر متحرك ينبض بالحياة، فالكلمات تبدو، وكأنها تتقافزُ راقصة، بين الأنغام، إضافة إلى، أن قصائد حميد تهنية تحفل بعمق المعنى، الذي ينضح، من خلال ثقافة الشاعر، وتراكم تجاربه، التي يَسْتلُّها من الموروث الجميل، للأمثال المغربية القديمة، المثقلة بالحكمة، والموعظة.
*شاعر وناقد عراقي

