بقلم : محمد غفغوف
فاس التي في خاطري، ليست تلك التي أراها اليوم تتهاوى بين يدي الإهمال والتهميش، وليست تلك التي تساقطت ملامحها كما تتساقط أوراق الخريف في أزقة المدينة القديمة، فاس التي في خاطري كانت عاصمة الروح، ومنارة الفكر، وقلعة الحضارة.
كانت مدينة تحفظ الهيبة وتوزع الجمال، وتغنيك عن السفر إلى عواصم العالم.
لازلت أتذكر، حين كنت شابًا يافعًا، كيف كان المجلس الجماعي لفاس يولي الثقافة والفن والمهرجانات المسرحية وملتقيات الشعر والآلة والملحون عناية خاصة، رغم قلة الإمكانيات، كان هناك دعم حقيقي للجمعيات الجادة التي ساهمت في نشر الوعي وتأطير الشباب، كانت تلك المجالس تضم خيرة الأطر والكفاءات، وكأنها حكومة مصغّرة تُدار بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة.
أما اليوم، فرغم ضخامة الميزانيات، فقد بات الريع هو القاعدة، والدعم يُوزَّع على المقربين والمريدين، وتحوّلت المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات يصول فيها من هبّ ودبّ، بلا كفاءة ولا رؤية.
اليوم، حين تمشي في شوارعها، تشعر بالخذلان، نفايات على الأرصفة، بنية تحتية متعبة، ووجوه عابسة فقدت الأمل في التغيير، أين ذهب ذاك الحلم الفاسي الذي كان يسكن الأحياء العتيقة ويمتد إلى أحياء الحداثة الصاعدة؟ أين ذهبت فاس التي كانت تختزن في جدرانها ذاكرة أمة وتستشرف في شبابها مستقبل وطن؟
المؤلم ليس فقط ما آل إليه حال المدينة، بل صمت النخب، وتواطؤ السياسات، وغياب الإرادة، فاس لم تعد قضية فاسيين وحدهم، بل صارت جرحًا مفتوحًا في جسد الوطن، يحتاج لعملية إنقاذ عاجلة.
أكتب هذا العمود، ليس من باب التباكي على الأطلال، ولكن لأدق جرس الإنذار. فاس تحتاج مشروعًا وطنيًا يعيد إليها مكانتها، ويُحيي روحها، ويصالحها مع تاريخها. فاس التي في خاطري لا تموت، لكنها تنتظر من يوقظها.

