متابعة : الشريف محمد رشدي الوداري

في الأعوام الأخيرة، رصدت مؤشرات مقلقة بشأن علاقة الجالية المغربية المقيمة بالخارج مع وطنها الأم، خاصة في موسم الصيف والذي كان يشهد عادة عودة جماعية وتدفقًا هائلًا للجالية نحو أرض الوطن. غير أن هذا الحضور أصبح أقل كثافة، مما أثار تساؤلات عديدة : هل السبب فقط هو الغلاء؟ أم أن الأمور أعمق من ذلك؟
من المؤكد أن الغلاء الفاحش يلعب دورًا بارزًا في عزوف الكثيرين عن زيارة المغرب، حيث ارتفعت أسعار السكن، النقل، الأكل، والخدمات إلى مستويات غير مسبوقة. لكن التفسير الحصري لهذا التراجع من زاوية مادية فقط، هو في واقع الأمر نوع من “حجب الشمس بالغربال”. فالمشكلة لا تكمن فقط في الأسعار، بل في التناسب بين الثمن والجودة.
مثلا في الجارة الشمالية إسبانيا، حيث تقيم نسبة كبيرة من الجالية، الغلاء موجود أيضاً، لكنه مصحوب بجودة عالية في الخدمات، والنظام، والنظافة، وكذا احترام الزبون. في المقابل، يعاني كثير من أفراد الجالية عند زيارتهم للوطن من رداءة الخدمات، وسوء المعاملة، وغياب الشفافية، ما يجعل الكلفة النفسية والمعنوية تفوق الكلفة المالية.
جيل جديد.. علاقات موسمية لا وجدانية
التحولات لا تقف عند الجانب الاقتصادي فقط. بل يجب أن ندرك أن هناك جيل جديد من أبناء الجالية نشأ وتربى في بيئة مختلفة، تشبّع بقيم الانضباط، الكرامة، المساواة، واحترام الوقت والخصوصية. لم يعد الارتباط بالوطن الأم قائمًا على “الواجب العائلي” أو الحنين فقط، بل على منطق الاختيار والمقارنة. هذا الجيل لا يرى في زيارة المغرب “واجبًا مقدسًا”، بل “خيارًا” يخضع لمعادلة دقيقة: ماذا سأحصل مقابل ما سأدفع؟
كذالك الزواج المختلط، والتمدرس في الخارج، والانخراط في سوق العمل الأوروبية، وحتى الحصول على الجنسيات الأجنبية، كل هذه العوامل عززت من اندماج أفراد الجالية في بلدان الإقامة. والنتيجة أن العلاقة مع الوطن أصبحت موسمية، رسمية، أو حتى شكلية عند البعض.
من أجل علاقة مستمرة.. لا بد من التغيير
هذه التحولات لا ينبغي أن تُقابل بالعتاب أو التوبيخ، بل بالفهم والتجاوب. على من يحب هذا الوطن أن يستوعب أن الجيل الجديد لا يكتفي بالشعارات والذكريات، بل يطالب بواقع ملموس: بنية تحتية محترمة، أسعار معقولة، جودة في الخدمات، ونظام يُشعره بالكرامة.
الاستثمار في ثقة الجالية لا يمر فقط عبر عملية مرحبا ، بل عبر سياسات حقيقية تضع المغترب في قلب الاهتمام، وتستجيب لتطلعاته. وإذا لم تتحقق هذه النقلة النوعية، فإن التراجع في العلاقة مع الجالية سيستمر، وسيتجه هذا الجيل نحو أماكن أخرى يجد فيها ما يبحث عنه من جودة واعتبار… حتى ولو كانت بعيدة عن الوطن.

