المغرب360 : محمد غفغوف
في السياسة، لا يكون الاعتزال حدثًا شخصيًا خالصًا، بل علامة على نهاية مرحلة وبداية أخرى. وحين يتعلق الأمر بشخصية من وزن رشيد الطالبي العلمي، فإن قرار عدم الترشح مجددًا والابتعاد عن سباق القيادة الحزبية لا يمكن قراءته خارج التحولات العميقة التي يعرفها المشهد الحزبي والحكومي في المغرب.
الطالبي العلمي ليس سياسيًا عابرًا. هو واحد من آخر جيل “التكنو–سياسيين” الذين راكموا الخبرة داخل الدولة والحزب والمؤسسة التشريعية معًا. حضوره في رئاسة مجلس النواب لم يكن بروتوكوليًا، بل كان جزءًا من هندسة توازنات دقيقة بين الأغلبية، الدولة، والمعارضة. لذلك، فإن اختياره الخروج الهادئ لا يشبه انسحاب من هُمّش، بل يشبه قرار من فهم أن المرحلة المقبلة مختلفة جذريًا عمّا قبلها.
المرحلة التي يدخلها حزب التجمع الوطني للأحرار اليوم ليست مرحلة انتقال شكلي، بل لحظة إعادة تعريف. الحزب الذي وصل إلى الحكومة بأغلبية مريحة، وبخطاب “النجاعة” و”إدارة الدولة بمنطق المقاولة”، يجد نفسه بعد سنوات في مواجهة كلفة الحكم: تآكل الشعبية، ضغط اجتماعي متزايد، ونهاية دورة القيادة التي شكّلها عزيز أخنوش. في هذا السياق، تصبح رئاسة الحزب أقل جاذبية وأكثر خطورة.

هنا يكتسب رفض الطالبي العلمي خلافة أخنوش معناه الحقيقي. الرجل يعرف أن قيادة حزب خرج لتوه من تجربة حكم ثقيلة ليست موقعًا للتتويج، بل موقعًا للتآكل. من يتولى الزعامة الآن سيحمل إرث قرارات صعبة، وسيتحمل فاتورة اجتماعية وسياسية قد لا يكون هو من صنعها. لذلك فإن الابتعاد عن هذا السباق ليس انسحابًا من المسؤولية، بل قراءة واقعية لموازين الربح والخسارة.
ثم هناك عنصر آخر أعمق: التحول في بنية النخب داخل الأحزاب. الطالبي العلمي ينتمي إلى جيل تشكّل في مناخ سياسي مختلف، حيث كانت الأحزاب فضاء للتدرج، وللتراكم الرمزي، وللوساطة بين الدولة والمجتمع. اليوم، الأحزاب تُدار بمنطق أقرب إلى الشركات السياسية: سرعة، ولاءات متحركة، وتنافس على القرب من السلطة أكثر من التنافس على الأفكار. في مثل هذا المناخ، يصبح رجل المؤسسات الثقيلة خارج الإيقاع.
انسحابه، بهذا المعنى، ليس هروبًا بل إعلانًا ضمنيًا عن أن السياسة التي يعرفها لم تعد هي السياسة التي تُدار الآن. وهو يفضّل أن يغادر قبل أن يتحول إلى “شاهد غير مرغوب فيه” على مرحلة لم يعد يتحكم في قواعد لعبتها.
بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، هذا يفتح فراغًا معقدًا. فغياب شخصيات وازنة من سباق القيادة يعني أن الصراع سيتجه نحو أقطاب أقل شرعية رمزية، وأكثر ارتباطًا بتوازنات ظرفية. وهذا قد يدفع الحزب إما إلى إعادة إنتاج نفسه بنخبة جديدة، أو إلى الدخول في مرحلة ارتباك تنظيمي قد تعيد رسم موقعه داخل الخريطة السياسية.
أما على مستوى المشهد الوطني، فنحن أمام علامة إضافية على أن المغرب السياسي يدخل زمن “ما بعد الجيل القديم”. جيل من الوجوه التي أدارت السياسة لعقود ينسحب أو يُسحب، فيما لم تتشكل بعد نخب جديدة بالعمق نفسه. وهذا ما يجعل كل اعتزال كبير ليس مجرد خبر، بل مؤشرًا على هشاشة مرحلة كاملة.
الطالبي العلمي يختار أن يخرج واقفًا، خارج الصراعات، وخارج معركة الخلافة. في السياسة، هذا النوع من الخروج نادر. لكنه غالبًا ما يكون أكثر دلالة من كل أشكال البقاء القسري.

