الرباط : المغرب360
متابعة : الشريف محمد رشدي الوداري
بقلب مؤمن، ودّع المغرب أحد أعمدة فنه الأصيل، الفنان والمنشد الكبير عبد الهادي بالخياط، الملقب بـ“صاحب المفنرجة”، الرجل الذي شكّل استثناءً نادراً في المشهد الفني المغربي، حين جمع بين عبقرية الأداء ووقار الرسالة، وبين جمال اللحن وسمو المعنى.
لم يكن الراحل مجرد صوت طربي مميز، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، آمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون شهرة، وبأن الكلمة الصادقة قادرة على تهذيب الذوق وتزكية الروح. منذ بداياته، بصم عبد الهادي بالخياط الساحة الفنية بأعمال خالدة، مزج فيها بين الطرب المغربي الأصيل والبعد الروحي، فلامست ألحانه الوجدان، وأطربت الأرواح قبل الآذان.
غير أن التحول الأبرز في مسيرته لم يكن اعتزال الأضواء بقدر ما كان اختياراً واعياً لمسار الدعوة، حيث سخّر صوته وفنه للإنشاد الديني والمديح النبوي، في تجربة جسدت قناعة راسخة لديه بأن الفن لا يتناقض مع القيم، بل يسمو بها حين يُحسن توظيفه. وهكذا، أصبح صوته مرادفاً للسكينة، وحضوره باعثاً على الطمأنينة، وأعماله جسراً بين الجمال والإيمان.
عبد الهادي بالخياط علّم أجيالاً كاملة أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن الخلود لا تصنعه الصيحات العابرة، بل تصنعه الصدق والالتزام والعمق. ظل وفياً لاختياراته، زاهداً في الأضواء، مكتفياً بأثره في قلوب محبيه، وبما زرعه من قيم نبيلة في الذاكرة الجماعية للمغاربة.
برحيله، يفقد المغرب قامة فنية وروحية كبيرة، لكنه يربح إرثاً خالداً سيظل شاهداً على أن الإبداع حين يقترن بالقيم، يصبح رسالة حياة، وأن الدعوة حين تتوسل بالفن الراقي، تبلغ أسمى مراتب التأثير والفلاح.
رحم الله عبد الهادي بالخياط، وأسكنه فسيح جناته، وجعل فنه الصادق في ميزان حسناته.

