الرباط : محمد غفغوف
دخل مجلس النواب مرحلة جديدة من عمله المؤسساتي بعد استكمال انتخاب هياكله ومختلف مكونات أجهزته، في مشهد سياسي لا يختزل في توزيع المناصب بقدر ما يعكس طبيعة التوازنات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة، ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام اختبار جديد لمدى قدرة المؤسسة التشريعية على الاضطلاع بأدوارها في التشريع والرقابة ومواكبة السياسات العمومية.
واستكملت الغرفة الأولى للبرلمان تشكيل مكتبها، برئاسة أحمد التويزي، الذي يقود مجلس النواب خلال الولاية التشريعية الجديدة، فيما توزعت مناصب نواب الرئيس بين مختلف الفرق البرلمانية، بما يعكس حضوراً لمختلف المكونات السياسية داخل الجهاز الذي يتولى تدبير شؤون المؤسسة التشريعية.
وعادت رئاسة النيابة الأولى لمصطفى بايتاس عن فريق التجمع الوطني للأحرار، فيما أسندت النيابة الثانية إلى خالد الشناق عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، والنيابة الثالثة إلى عبد الله بووانو عن فريق العدالة والتنمية، بينما آلت النيابة الرابعة إلى محمد والزين عن الفريق الحركي.
وحضر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في تركيبة مكتب المجلس من خلال محمد ملال، الذي تولى منصب النائب الخامس للرئيس، فيما أسندت النيابة السادسة إلى محمد جودار عن الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، والنيابة السابعة إلى مريم وحساة عن فريق التقدم والاشتراكية، والنيابة الثامنة إلى عادل البيطار عن فريق الأصالة والمعاصرة.
كما استكملت تركيبة أجهزة المجلس من خلال توزيع مهام المحاسبة وأمانة المجلس على عدد من الفرق البرلمانية، في صيغة تعكس تعدد المكونات السياسية داخل المؤسسة وتؤشر إلى طبيعة التوافقات التي رافقت تشكيل هياكلها في بداية الولاية التشريعية الجديدة.
ولا تقل أهمية رئاسة اللجان الدائمة عن عضوية مكتب المجلس، بالنظر إلى كون اللجان تشكل المجال الأساسي للتفصيل في مشاريع ومقترحات القوانين، ومناقشة السياسات العمومية، وممارسة الرقابة البرلمانية على العمل الحكومي.
وفي هذا الإطار، أسندت رئاسة لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية وشؤون الهجرة والمغاربة المقيمين بالخارج إلى محمد الغراس عن الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، فيما تولى منصف الطوب عن الفريق الاستقلالي رئاسة لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية.
وآلت رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات إلى محمد غياث عن فريق التجمع الوطني للأحرار، بينما تولى هشام المهاجري عن فريق الأصالة والمعاصرة رئاسة لجنة المالية والتنمية الاقتصادية.
أما لجنة القطاعات الاجتماعية، فقد أسندت رئاستها إلى مصطفى إبراهيمي عن فريق العدالة والتنمية، فيما تولى محمد الأعرج عن الفريق الحركي رئاسة لجنة القطاعات الإنتاجية، وأسندت رئاسة لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة إلى عبد الحق أمغار عن الفريق الاشتراكي.
وفي قطاع التعليم والثقافة والاتصال، آلت رئاسة اللجنة المختصة إلى لحسن الدرهم عن فريق التقدم والاشتراكية، بينما أسندت رئاسة لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة إلى حنان الماسي عن الأصالة والمعاصرة.
وتحمل هذه الخريطة الجديدة أكثر من مجرد دلالة تنظيمية، فهي تعكس ملامح التوازن السياسي داخل مجلس النواب، كما تكشف أن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بقدر كبير من التفاعل بين الأغلبية والمعارضة، خصوصاً في ظل انتقال عدد من الأحزاب إلى مواقع سياسية جديدة، وما يفرضه ذلك من إعادة ترتيب للأدوار داخل المؤسسة التشريعية.
ويكتسي حضور الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية داخل مكتب المجلس، إلى جانب توليه رئاسة لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة، أهمية سياسية خاصة، باعتبار أن الحزب اختار خلال المرحلة الجديدة موقعاً أكثر انخراطاً في تدبير المؤسسات، وهو ما يجعل المسؤوليات البرلمانية الموكولة إلى ممثليه مجالاً عملياً لإثبات قدرة الحزب على التأثير في النقاش التشريعي والرقابي وصناعة المواقف المرتبطة بالسياسات العمومية.
غير أن القيمة السياسية والمؤسساتية لهذه الهندسة الجديدة لن تقاس بعدد المناصب ولا بمواقع أصحابها، وإنما بما ستنتجه من ممارسة برلمانية فعلية. فالمواطن المغربي ينتظر من البرلمان أكثر من مجرد جلسات دستورية ومناقشات إجرائية؛ ينتظر تشريعاً أكثر ارتباطاً بالحاجيات الاجتماعية والاقتصادية، ورقابة أكثر فعالية على العمل الحكومي، ونقاشاً سياسياً يرتقي إلى مستوى التحولات التي تعرفها الاكتمال هناكل ذه الزاوية، فإن اكتمال هياكل مجلس النواب لا يمثل نهاية مسار انتخابي وتنظيمي، بل يمثل البداية الفعلية لمرحلة جديدة سيكون فيها كل موقع داخل المؤسسة مسؤولية قبل أن يكون امتيازاً، وسيكون السؤال الحقيقي المطروح أمام مختلف الفرق والنواب: كيف سيتم تحويل هذه المواقع إلى فعل مؤسساتي يستجيب لانتظارات المغاربة؟
فالمناصب تُوزع بالتوافق والتصويت، أما المصداقية البرلمانية فلا تُمنح، وإنما تُبنى بالممارسة والأداء والقدرة على الدفاع عن القضايا الوطنية والمجتمعية داخل مؤسسة يفترض أن تكون في صلب الحياة السياسية والديمقراطية للبلاد.

