المغرب360 : محمد غفغوف
في قراءة سياسية لمسار المشاورات التي أفضت إلى اتخاذ حزب التقدم والاشتراكية قرار المشاركة في الحكومة المقبلة، إسماعيل الحمراوي، عضو المكتب السياسي للحزب، توضيحات بشأن خلفيات هذا الاختيار، وطبيعة النقاش الذي احتضنته المؤسسات الحزبية، مؤكداً أن القرار لم يكن وليد اعتبارات ظرفية أو حسابات مرتبطة بالمناصب والمسؤوليات، بل جاء ثمرة مسار من التداول والتقييم والتشاور، واستحضار متطلبات المرحلة السياسية المقبلة والمصلحة الوطنية.
وفي مقاله المعنون بـ«حزب التقدم والاشتراكية وموقف المشاركة في الحكومة: قرار سياسي مسؤول ونقاش ديمقراطي رصين»، يستعرض الحمراوي مختلف المحطات التي رافقت بلورة الموقف الحزبي، انطلاقاً من تقييم نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، مروراً باجتماعات المكتب السياسي ومداولات اللجنة المركزية، وصولاً إلى تفويض القيادة الحزبية استكمال المشاورات المتعلقة بشروط المشاركة الحكومية.
لا يخفي الحمراوي أن حصول الحزب على 19 مقعداً برلمانياً خلف شعوراً بخيبة الأمل والقلق في صفوف مناضلاته ومناضليه، بالنظر إلى حجم الطموحات والمجهودات السياسية والتنظيمية والميدانية التي بذلتها القيادة والقواعد الحزبية. غير أنه يعتبر أن قوة حزب التقدم والاشتراكية تكمن أيضاً في قدرته على تحويل اللحظات الصعبة إلى فرص للمراجعة وتجديد الرؤية وتثبيت المبادئ.
وفي هذا الصدد، يوضح أن اجتماعات المكتب السياسي لم تقتصر على قراءة الأرقام الانتخابية، بل امتدت إلى تحليل السياق السياسي العام والظروف التي أحاطت بالاستحقاق، فضلاً عن تقييم قدرة الحزب على توسيع قاعدة استقطابه وتعزيز حضوره الميداني وتقوية امتداده المجتمعي والانتخابي.
ويستحضر عضو المكتب السياسي، في هذا الإطار، الرصيد السياسي والفكري والمؤسساتي الذي راكمه الحزب على امتداد مساره الوطني، معتبراً أن تأثيره في النقاش العمومي لم يكن دائماً مرتبطاً بحجمه التمثيلي، وإنما أيضاً بوضوح مواقفه ومصداقية اختياراته وما يقدمه من تصورات ومقترحات بشأن القضايا الكبرى للمغرب.
وبخصوص المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة، يبرز الحمراوي أن حزب التقدم والاشتراكية دخل هذه المرحلة حاملاً مشروعاً سياسياً وتصوراً واضحاً، وليس بدافع الرغبة في الحصول على موقع داخل الأغلبية الحكومية.
ويشير إلى أن اللقاء الذي جمع وفد الحزب برئيسة الحكومة، واستغرق أكثر من ساعة ونصف، شكل مناسبة لنقاش سياسي حول التوجهات الكبرى للبلاد والأولويات الاقتصادية والاجتماعية والاختيارات الديمقراطية التي ينبغي أن تؤطر العمل الحكومي خلال المرحلة المقبلة.
كما سجلت المشاورات، وفق ما أورده المقال، نقاط التقاء وتقاطع بين التوجهات البرنامجية للحزب وعدد من التصورات التي جرى التداول بشأنها مع حزب الأصالة والمعاصرة، لاسيما في مجالات العدالة الاجتماعية والمجالية، والتنمية، وتعزيز المسار الديمقراطي والحقوقي، وتطوير دور المؤسسات العمومية، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وبعد عودة الأمين العام إلى المكتب السياسي وتقديم عرض مفصل حول مضامين اللقاء، استمرت المداولات داخل الأجهزة الحزبية، قبل عرض مختلف المعطيات أمام اللجنة المركزية، باعتبارها أعلى هيئة تقريرية داخل الحزب، وفتح المجال أمام نقاش واسع حول الخيارات الممكنة.
وانتهى هذا المسار إلى اتخاذ المكتب السياسي قرار المشاركة في الحكومة المقبلة، مع تفويض الأمين العام مواصلة المشاورات الرامية إلى استكمال شروط هذه المشاركة.
ومن بين أبرز النقاط التي يتوقف عندها الحمراوي ما راج إعلامياً بشأن وجود انقسامات أو صراعات داخلية حادة في صفوف حزب التقدم والاشتراكية خلال مناقشة قرار المشاركة الحكومية.
وفي رده على هذه القراءات، يؤكد أن النقاشات كانت غنية وأن التقديرات السياسية لم تكن متطابقة في جميع الحالات، لكنه يشدد على أن ذلك ظل في إطار الاختلاف الديمقراطي المسؤول، ولم يتحول إلى صراعات أو انقسامات بالصورة التي روجت لها بعض الروايات الإعلامية.
ويعتبر أن الاختلاف في تقدير الخيارات السياسية أمر طبيعي داخل حزب يؤمن بالديمقراطية وحرية التعبير، ما دام النقاش يجري داخل المؤسسات، وتظل الغاية منه البحث عن الاختيار الأنسب لمواصلة أداء الحزب لدوره الوطني والسياسي.
كما ينفي أن يكون النقاش قد انصب أساساً على الأسماء أو الحقائب الوزارية أو توزيع المسؤوليات، مؤكداً أن جوهر التداول تعلق بالبرنامج والتوجهات السياسية، وبما يمكن أن يقدمه الحزب من قيمة مضافة داخل التجربة الحكومية المقبلة.
وفي هذا الإطار، يعبر عن ثقته في قدرة أي رفيقة أو رفيق سيتولى مسؤولية حكومية على الدفاع عن أفكار الحزب ومبادئه، والاضطلاع بمهمته بروح الالتزام والنزاهة وخدمة المواطنين.
ويخلص الحمراوي إلى أن قرار المشاركة في الحكومة لا ينبغي اختزاله في مجرد الانضمام إلى الأغلبية، بل يتعين النظر إليه باعتباره مسؤولية سياسية ووطنية تقتضي وضوح الرؤية والوفاء للالتزامات والقدرة على تحويل البرامج والتصورات إلى سياسات عمومية ملموسة.
فالمشاركة، وفق هذا التصور، لا تستمد مشروعيتها من الحضور داخل المؤسسات الحكومية وحده، وإنما من النتائج التي يمكن تحقيقها على مستوى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، والاستجابة للانتظارات المشروعة للمواطنات والمواطنين.
ويعبر عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية عن أمله في أن تنطلق التجربة الحكومية الجديدة في أقرب الآجال، وأن تتوفر لها شروط الانسجام والفعالية والنجاح، بما يسمح بتسريع معالجة الملفات ذات الأولوية وتحقيق نتائج يشعر المواطنون بأثرها في حياتهم اليومية.
وبذلك، يضع المقال المشاركة الحكومية أمام معيار أساسي يتمثل في مدى قدرتها على خدمة الصالح العام وتحويل الاختيارات السياسية إلى منجزات ملموسة، مع التشبث بالنقاش الديمقراطي والمسؤولية المؤسساتية باعتبارهما ركيزتين ضروريتين لتدبير الاختلاف وصناعة القرار داخل الأحزاب السياسية.

