المغرب360 : محمد رشدي لوداري
لم يعد الرهان الاقتصادي في المغرب مقتصرا على تحقيق معدلات النمو وضبط التوازنات المالية، بل أصبح مرتبطا بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه المؤشرات إلى مكاسب اجتماعية ملموسة، تستجيب لانتظارات المواطنين وتمنح الشباب آفاقا أوسع للشغل والاستقرار. ومن هذا المنطلق، تأتي التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، التي ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مجلسا وزاريا بشأنها يوم السبت 17 أكتوبر 2026، لتؤشر على مرحلة تتداخل فيها رهانات الإصلاح الاقتصادي مع تحديات العدالة الاجتماعية والمجالية.
وتكشف الأولويات المعلنة عن توجه يروم تحقيق توازن بين استدامة المالية العمومية وتعزيز الدولة الاجتماعية، من خلال دعم القدرة الشرائية، وتطوير خدمات الصحة والتعليم، ومواصلة تعميم التغطية الصحية، إلى جانب إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب خلال الفترة 2027-2031. وهي اختيارات تعكس إدراكا لأهمية الانتقال من تعدد البرامج القطاعية إلى مقاربة أكثر تكاملا، تجعل التكوين والتشغيل والتمويل والسكن حلقات مترابطة في مسار الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن البرامج بقدر ما يرتبط بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، خصوصا في ظل استمرار الحاجة إلى فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية وتقوية القدرة الشرائية. فنجاح الدولة الاجتماعية يقتضي أن تتحول الاعتمادات المالية إلى نتائج قابلة للقياس، وأن تصبح جودة الخدمات والإنصاف في الاستفادة منها معيارا أساسيا لتقييم السياسات العمومية.
وفي الإطار ذاته، يشكل تخصيص 25 مليار درهم لتسريع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة مؤشرا على المكانة التي بات يحتلها البعد المجالي في التصور التنموي الوطني. فالعدالة المجالية لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واجتماعية تستدعي تقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم، وتوجيه الاستثمارات نحو الحاجيات الفعلية للسكان، وتعزيز أدوار الجهات في التخطيط والتنفيذ والتقييم. كما يظل نجاح هذا الورش رهينا بوضوح الاختصاصات وفعالية التنسيق بين الدولة والجماعات الترابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة على النتائج.
اقتصاديا، يراهن المشروع على تحفيز الاستثمار الخاص، ودعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية. وهي رهانات مترابطة، لأن بناء اقتصاد قوي لا يقتصر على استقطاب الاستثمارات، بل يتطلب أيضا خلق الثروة وفرص الشغل، وتطوير الإنتاج الوطني، وتقوية قدرة المقاولات على الابتكار والمنافسة، بما يضمن موارد مستدامة لتمويل الطموح الاجتماعي.
وتوفر التوقعات المعلنة بشأن النمو والتضخم وعجز الميزانية مؤشرات إيجابية على مستوى التوازنات الماكرو اقتصادية، لكنها لا تعفي من ضرورة الحذر أمام التقلبات الدولية وضغوط التمويل. فالمعادلة الأساسية تتمثل في الحفاظ على الاستقرار المالي دون إضعاف الاستثمار الاجتماعي، وتوسيع الإنفاق المنتج دون الإخلال باستدامة المالية العمومية.
سياسيا، يحمل مشروع قانون المالية لسنة 2027 رسالة واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق تعدد المبادرات إلى منطق الالتقائية والنجاعة، ومن قياس الأداء بحجم الميزانيات المرصودة إلى تقييمه بالأثر المحقق على الأرض. فالمواطن لا ينتظر أرقاما اقتصادية فقط، بل يتطلع إلى شغل كريم، وتعليم جيد، وعلاج متاح، وسكن لائق، وتنمية لا تترك مجاله أو فئته خارج دائرة الاهتمام.
وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي لهذا المشروع لن يكون في طموح أولوياته وحده، وإنما في قدرته على تحويلها إلى نتائج ملموسة. فحين يلتقي النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية، وتتقاطع الاستثمارات الكبرى مع الحاجيات اليومية للمواطنين، يصبح قانون المالية أكثر من وثيقة سنوية للأرقام؛ يصبح أداة لبناء الثقة وترسيخ أسس تنمية شاملة ومستدامة.

