
فاس : محمد غفغوف
لم تكن فاس يومًا مجرد مدينة عادية، بل كانت عبر التاريخ منارة علمية وحضارية، قلبًا نابضًا للحضارة المغربية، ومفخرةً وطنية بتراثها العريق ورجالاتها العظماء.. غير أن هذه المدينة العريقة، التي سطر التاريخ أمجادها، وجدت نفسها اليوم في قبضة مجموعة من المتلاعبين، ممن لم يدخلوا السياسة لخدمة الصالح العام، بل جاؤوا للبحث عن الريع وقضاء المصالح الخاصة.
لقد أصبحت فاس ضحية لنخب سياسية هجينة، لا تحمل أي مشروع تنموي حقيقي، بل تسللت إلى دواليب التسيير عبر تواطؤات انتخابية بائسة، بعد أن نالت تزكياتها من قيادات حزبية وهمية، أتقنت فن البيع والمتاجرة في كل شيء، بما في ذلك التزكيات الانتخابية، ففاس اليوم ليست ضحية العشوائية فقط، بل ضحية طبقة سياسية جعلت من الجماعة والجهة والغرف المهنية دكاكين للمصالح الضيقة، حيث أضحت المحسوبية والزبونية القاعدة، والكفاءة والاستحقاق الاستثناء.
إن الحديث عن تراجع فاس ليس مجرد شعارات، بل هو واقع ملموس يعيشه سكانها يوميًا. تدهور البنية التحتية، انتشار الفوضى، غياب المشاريع الكبرى، انهيار الخدمات الأساسية، وتراجع المدينة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. كيف لا، وأغلبية من يدبرون شؤونها اليوم لا يرون فيها سوى فرصة للاستفادة من الامتيازات ونهب ما تبقى من مقدراتها، تحت غطاء شعارات زائفة، ومشاريع ورقية لا ترى النور إلا في البلاغات الرسمية؟.
حتى الأحزاب التي كنا نعتبرها ديمقراطية، والتي لطالما تبنّت خطابًا إصلاحيًا، سقطت بدورها في مستنقع الفساد والتواطؤ، بعدما تخلت عن مبادئها وقيمها، وانخرطت في لعبة “باك صاحبي” و”مول الشكارة”، لتحصل على مقاعد في المجالس المنتخبة، ولو على حساب المدينة وسكانها.
إن فاس اليوم لا تحتاج إلى شعارات جوفاء أو وعود انتخابية كاذبة، بل تحتاج إلى ثورة حقيقية على الفساد والمفسدين، تحتاج إلى نخب سياسية نزيهة تحمل مشروعًا جادًا لإنقاذ المدينة، وإعادة الاعتبار لها.
أما أولئك الذين باعوها وتخلوا عنها، فالتاريخ لن يرحمهم، وستلعنهم الأجيال القادمة، لأنهم ببساطة كانوا شهود زور على اغتيال مدينة بأكملها.

