محمد غفغوف
لم يكن العمل الجمعوي يومًا في فاس عاصمة العلم و العرفان، مجرد وسيلة للبحث عن الإمتيازات أو منصة لتحقيق مكاسب شخصية، بل كان نابعًا من روح التطوع الخالص، حيث كان الفاعلون الجمعويون ينشطون بدافع الحب للمدينة وساكنتها، يقدمون من أوقاتهم وأموالهم وجهدهم دون انتظار مقابل، بحيث كان المشهد يعج بأسماء وهامات لم تسعَ يومًا وراء البهرجة أو المكاسب، بل كان همّها الأسمى هو خدمة المجتمع وتقديم الإضافة النوعية في مختلف المجالات، من التربية والثقافة والفنون إلى التنمية الاجتماعية والرياضة.
لكن للأسف، تغيرت الصورة اليوم بشكل لافت، حيث أصبحت العديد من الجمعيات مجرد واجهات تخدم أجندات انتخابية وسياسية، وتحولت بعض المنظمات إلى شركات مقاولات تستفيد من الدعم العمومي دون أثر حقيقي على أرض الواقع، ولم يعد معيار الكفاءة أو الإخلاص في العمل الجمعوي هو الأساس، بل حلّ محله منطق الولاء والمصلحة، حيث تُؤسس جمعيات وفق حسابات مسبقة لضمان التموقع أو حصد الدعم المالي، بينما يغيب البعد التطوعي ونكران الذات الذي كان يُميز الأجيال السابقة من الفاعلين.
والأدهى أن بعض الجمعيات تحولت إلى أدوات ابتزاز سياسي أو اقتصادي، تلوّح بمشاريع وهمية للحصول على تمويلات، بينما لا يرى المواطن أي أثر يُذكر لما يُعلن عنه من مبادرات، وأمام هذا الواقع، بات من الضروري إعادة الاعتبار للعمل الجمعوي الجاد والملتزم بالمدينة، عبر فرض معايير شفافة في تمويل الجمعيات، وتكريس ثقافة المحاسبة والمراقبة، حتى لا تبقى بعض الجمعيات مجرد دكاكين موسمية لخدمة المصالح الضيقة لتجار السياسة والإنتخابات.
إن استعادة روح العمل الجمعوي الحقيقي في فاس، يمرّ عبر تطهير هذا المجال من المرتزقة والانتهازيين، والرهان على جيل جديد من الفاعلين المؤمنين بأن العمل الجمعوي رسالة قبل أن يكون امتيازًا، وأن خدمة المجتمع لا تعني بالضرورة التموقع في دائرة الريع السياسي والاقتصادي… فهل يمكن لفاس أن تستعيد مجدها الجمعوي أم أن القطار قد فات؟.

