بقلم: محمد غفغوف
في مدينةٍ تحمل من المجد التاريخي ما يكفي لتكون عاصمة للروح والهوية، تُعاني فاس من احتضارٍ ثقافي يبعث على القلق والأسى، فالمشهد الثقافي الذي لطالما شكّل مصدر إشعاع وتنوير في المدينة، بات اليوم يعاني التهميش والتجاهل، نتيجة مزيج قاتل من البيروقراطية وغياب الرؤية الواضحة لدى من يُفترض أنهم أمناء على الشأن المحلي.
فالقطاع الثقافي في فاس يواجه اليوم جدارًا من الصمت الإداري واللامبالاة المؤسسية، المجالس المنتخبة، سواء على مستوى الجهة أومجلس العمالة، والجماعة أو على مستوى المقاطعات، تبدو كأنها تنأى بنفسها عن كل ما يمت إلى الثقافة بصلة، وكأن الأمر لا يعنيها، بل تُعامله كملف زائد يمكن تأجيله أو تجاهله إلى أجل غير مسمى.
ويبدو جليًّا أن هذا التعامل لا يعكس فقط ضعف الإمكانيات أو قلة الموارد، بل يكشف قبل كل شيء غياب الإرادة وافتقار النخب المسيرة لرؤية ثقافية تؤمن بدور الإبداع في النهوض بالمجتمع.
كيف لمدينة بحجم فاس، بتاريخها الممتد في عمق الحضارة المغربية، أن تُدار ثقافيًا بعقلية محاسبية ضيقة؟ كيف يمكن لفاعلين ثقافيين أن يُبدعوا ويواصلوا مهامهم التنويرية في ظل انسداد الأفق، وغياب قنوات حوار حقيقية، وتجاهل تام لمقترحاتهم ومبادراتهم؟ الأدهى أن الرفض في كثير من الحالات يأتي بدون تبرير، وكأن مجرد الحديث عن مشروع ثقافي يعدّ تطاولًا على “مقدسات الميزانية”.
النتيجة واضحة: مؤسسات ثقافية تحتضر، فعاليات تُجهض قبل أن ترى النور، طاقات شابة تُهاجر نحو مدن أكثر رحابة، وساحات ثقافية تتحول إلى فضاءات فارغة، صامتة، إلا من ذكريات الأمس.
إن ما تعيشه فاس اليوم ليس فقط أزمة تدبير، بل أزمة وعي، أزمة من لا يفهم أن الثقافة ليست ترفًا ولا تزيينًا للواجهات، بل هي عمق المدينة، وسرّ بقائها، وروحها التي إن خبت، خبت معها كل معاني الحياة المشتركة.
فاس تحتاج إلى مسؤولين يعتبرون الثقافة أولوية، لا ديكورًا موسمياً، تحتاج إلى حوار مؤسساتي حقيقي مع الفاعلين الثقافيين، وإلى سياسات تُبنى على الثقة والشراكة لا على المنع والصمت والبيروقراطية البليدة.
قبل أن ندفن ما تبقّى من روح المدينة، علينا أن نرفع الصوت عاليًا: فاس تستحق أكثر الثقافة ليست عبئًا، بل فرصة، والمشهد الثقافي ليس مشكلة، بل حلّ.
فمن يُنقذ فاس من موتٍ ثقافي بطيء يزحف على معالمها وأحلام مثقفيها؟.

