بقلم سعيد معواج التازي
تقديم عام: منظور بسيط في فهم الحزبي والسياسي
نحتاج السياسة في أبسط تفاصيل حياتنا، ليس لأنها فن الممكن حصريًا، بل لأنها، ومن مصدر اشتقاقها مسمى واصطلاحًا في تفسير الدستوريين واللغويين، أحد روافد التدبير: “ساس يسوس”.
وليس في عرف الفعل المُغتصب قسرًا في أيامنا، حيث يُسَاس فعلاً بعض السياسيين من أوصلوهم إلى مكان القرار بالمعنى الدارج، إما اختباءً أو كذبًا وافتراءً، اللهم في بعض الحالات النادرة التي تُقدم صورًا عن تصور التعالق الاجتماعي والإنساني النبيل، إما لارتباط بالفخذة القبلية أو في خضم انفلات قيمي حاصل لبعض أولاد الناس.
أما والكرة في ملعب فناني الممكن، أتوجه بسؤال سيجيبني عنه الآلاف بهبّة عاصفة:
> نُقيم مؤتمراتنا، ومنتظمون في لقاءاتنا التواصلية، وأُجيب:
كيف؟ ولماذا؟ ولمن؟ وبأي أفق؟
هي أسئلة ليست ترفًا ثقافيًا أو نَزْوَة فكر عابرة، وإنما المُعدلات المُؤرقة القاتلة تُجابهنا، والكامنة في:
– نسبة التصويت،
– عدد المنتمين للأحزاب السياسية الوطنية،
– شكل الاصطفافات والرؤى التي يمثلها أصحابها.
وماذا عن التحالفات؟ ولماذا تتغير في أحيان كثيرة بين المركز والجهات والأقاليم؟
هل المرجعية ليست واحدة؟ والتعاقدات ليست واحدة؟ ومن يتوهم أنه يلعب دور الوسط؟
حتى لو سلّمنا بغياب الأيديولوجيا، لكن في الحد الأدنى هناك مرجعية وتعاقد تنظيمي، وهوية الحزب محركة، والتنظيم الحزبي كجمعية توافق أصحابها والمنتمين إليها في خط برامجي قوامه أفكار وآليات، تبلورت لتنتج برنامجًا سياسيًا تعاقديًا مع الهيئة الناخبة.
قال جان جاك روسو:
> “الإنسان يولد حرًا، لكنه في كل مكان مكبل بالأغلال.”
1. هل نجحت الأحزاب في إنتاج النخب؟
منذ مدة، وعلى نُدرتها، أرى أحزابًا تشتغل ببعض هياكلها الداخلية وتنظيماتها الموازية على مواضيع أو قضايا أو ترافع، لكن بشكل منغلق لا ينفتح على الناس.
أحيانًا باختيار فضاءات نخبوية، تجعل المواطنين يعتقدون أن هذه الأنشطة أعراس خاصة، لا يُمكن دخولها إلا بدعوة، أو سيكون الحاضر متطفلًا.
– تغيب اللقاءات الشعبية التي كانت بالأمس القريب تُمثل المهد الأول لتكوين النخب.
وتكتفي معظم الأحزاب الآن باستقطاب “الواجد” غير المُسيَّس، المُعتمد على مقاربة مكاتب الدراسات، لا على التكوين الحزبي التراكمي.
> أين التشخيص الجماعي القادم من القواعد؟
أين صوت المناضل الترابي؟
مكاتب الدراسات تُفيد في المعطيات، لكنها لا تُنتج سياسيًا حقيقيًا.
إذا واصلنا على هذا النهج، فلنسلّم الأحزاب والمناصب لمكاتب الدراسات و”كفى المؤمنين شر النضال”.
2. هل الحزب حاليًا ببلادنا حاضنة للفكر السياسي ومجال للتربية الوطنية؟
الحزب في الأصل جمعية سياسية تُكوّن وتُعد النخب للمسؤولية السياسية، ببرنامج واقعي يُعالج القضايا التالية:
الثقافة، التعليم، الصحة،
التشغيل، البيئة، التنشئة المواطِنة.
لكن، هل يتوفر هذا التصور؟ هل نمارسه حقًا؟
قال ماكس فيبر:
> “الحزب السياسي هو تجمع يسعى إلى السيطرة على السلطة، أو التأثير عليها، من خلال تقديم برنامج سياسي وأيديولوجي.”
فهل تُترجم الأحزاب المغربية هذا المفهوم واقعًا وممارسة؟
أم أنها تكتفي بلعبة الانتخابات ووساطة المناصب؟
3. هل أفشل نظام اللائحة والكوطا حياتنا السياسية؟
في الماضي، رغم العوائق، كانت الممارسة الحزبية أكثر حرارة، والناس يعرفون من يمثلهم، ويحاورون ممثليهم.
أما اليوم، فنجهل من يمثلنا جماعيًا وتشريعيًا وجهويًا.
> الكوطا ليست امتيازًا، بل جسر مرحلي نحو عدالة تمثيلية…
لكنها لم تُنتج القرب السياسي الحقيقي.
من يمثلني في البرلمان؟
من يمثلني في الجماعة؟
أين هم ممثلو دائرتي؟ هل يعلمون مشاكلنا؟
غياب الإنارة، انعدام النظافة،
غياب فضاءات الشباب والثقافة، غياب التشريع المستجيب لهمومنا
إنها نخب لا تُمثلنا. فكيف نثق فيها أو نُسميها نخبًا؟
4. مقترحات في زمن المشورة والتقطيع الترابي الجديد
– تقييم أداء المنتخبين داخل أحزابهم.
– تقديم حصيلة كل حزب في كل مستوى تدبير.
– فتح برامج استقبال شكايات وتظلمات المواطنين داخل المقرات.
– فرض فتح مقرات الأحزاب أمام العموم والإعلام والباحثين.
– اشتراط مستوى تعليمي وأخلاقي لمن يُزكى.
– تقديم الذمة المالية قبل الانتخابات.
– إنهاء الكوطا واللائحة بشعار: “لكل مجتهد نصيب”.
– من انتُخب مرتين يجب أن يفسح المجال لغيره.
– منع الترشح خارج الإقامة الفعلية للمرشح.
– فتح باب الجامعات لاستقطاب الكفاءات.
– منع الجمع بين أكثر من مسؤولية سياسية.
– تغيير نمط الاقتراع الحالي.
– محاربة شراء الأصوات والذمم.
– فرض تواصل إعلامي حزبي مركزي وجهوي ومحلي.
– جعل التربية السياسية جزءًا من برنامج الأحزاب.
– تبني المرجعية الوطنية المشتركة داخل كل البرامج.
– إبعاد أصحاب الشبهات وتضارب المصالح.
– خلق هيئات حزبية تربوية وحقوقية تكتشف نخب المستقبل.
ختاما، إذا استطعنا سلك هذه المراحل في محطات حاسمة، سندخل مغرب المونديال وما بعده برؤية وطنية راشدة.
فالديمقراطية ليست وجهة نصل إليها، بل طريقٌ نسلكه، نصحح فيه الأخطاء، ونتعلم من تجاربنا، كما قال عبد الله العروي وجان جاك روسو.

