فاس : محمد غفغوف
في عزّ فصل الصيف، حين تتهيأ المدن لاستقبال الفرح والحياة والانبعاث، تتحول فاس إلى ما يشبه مقبرة مفتوحة، لا يُسمع فيها غير أنين الحرارة ولهاث الساكنة بحثًا عن ظلّ أو متنفس، أو حتى مجرد وهم بالحياة. تغيب الفضاءات الخضراء، وتُغلق أبواب دور الثقافة والشباب، وتتوارى الجمعيات الفنية والرياضية عن الأنظار، فيما الشوارع تزداد صمتًا والساحات تخلو من أي أثر للحيوية، كأن المدينة دخلت في غيبوبة جماعية معلنة، ينتظر الجميع نهايتها كما ينتظر المريض خلاصه من الألم.
لا مهرجانات ولا سهرات ولا عروض فنية، لا سينما في الهواء الطلق، ولا حفلات شبابية تليق بمدينة عريقة كانت يومًا ما منارة للعلم والثقافة والفكر والفن، حتى الحدائق القليلة التي بقيت شاهدة على زمن مضى، تحوّلت إلى أماكن مهجورة تنفر منها العائلات، أو احتلتها مظاهر التهميش والعشوائية.

أما المراكز الرياضية، فإما مغلقة للصيانة الأبدية، أو مفتوحة بشروط لا تنطبق إلا على المحظوظين، هكذا يبدو صيف فاس: موسم جفاف روحي، وموعد لا يتغير مع الفراغ الكبير.
السكان، وعلى رأسهم الشباب والأطفال، يفرّون كلّ بطريقته، من استطاع أن يشدّ الرحال إلى مدن الشمال أو الشواطئ هرب، ومن لم تسعفه القدرة، ظلّ حبيس جدران الحي، يجترّ الضجر، أو يسقط في فخّ الانحراف والمخاطر، لا أحد ينكر أن المدينة تتوفر على طاقات إبداعية هائلة، وعلى بنية تراثية وسياحية يمكن أن تجعل منها قبلة صيفية بامتياز، لكن أين هو العقل التدبيري الذي يحول هذه الإمكانات إلى واقع ملموس؟

من غير المعقول أن تبقى فاس رهينة جمود جماعي، لا جماعة تبادر، ولا جهة تخطط، ولا قطاعات وزارية تنسق.
هل من الصعب أن نطلق مهرجانًا صيفيًا يليق بتاريخ المدينة وروحها؟ هل من المستحيل تنشيط ساحاتها بالأغنية والمسرح والفن الشعبي؟ هل يستعصي فتح المسابح بالمجان أمام الأطفال والشباب؟ ثم أين الجمعيات الثقافية والرياضية من كل هذا؟ وأين دعمها وتحفيزها لتؤدي أدوارها في التوعية والتنشيط وصناعة الأمل؟
فاس تحتاج إلى قرار شجاع يعيد إليها البسمة، ويدفع عنها هذا الركود الموسمي الموجع، وتحتاج إلى شراكة فعلية بين الفاعل الجماعي والجهوي والثقافي والمدني، شراكة تضع برنامجًا صيفيًا سنويًا متكاملًا، بأهداف واضحة وميزانية محترمة، تُخصص لفائدة الفن والثقافة والرياضة والترفيه، وتمنح الفرصة لساكنة المدينة كي تستعيد حسّ الانتماء لفضاء حيّ لا ميت، فهل نجرؤ على طرح السؤال بصدق: من قتل صيف فاس؟ والأهم: من يملك الشجاعة ليحييه من جديد؟

