المغرب 360 : محمد غفغوف
في مشهد سياسي باتت تتحكم فيه أدوات التسويق أكثر من آليات التأطير، أطلقت القيادية الاتحادية حسناء أبو زيد نداءً سياسياً مدوّياً، اختارت له عنواناً صادماً: “بحياتك يا ولدي: قفة.. مونديال.. أو يوتوبرز”. وهو عنوان لا يُجامل اللحظة ولا يهادن مظاهر التزوير الناعم، بقدر ما يعري واقعاً انتخابياً بات مفرغاً من مضمونه، محكوماً بثلاثية قاتلة تُخدِّر وعي المواطن وتسلبه حقه في التغيير الحقيقي.
فـ”القفة”، في نظر أبو زيد، لم تعد مجرّد معونة اجتماعية ظرفية، بل تحوّلت إلى أداة ممنهجة لشراء الولاءات، وإهانة مبطّنة لكرامة الناس، تُستغل بشكل فجّ في زمن الاضطرابات الاقتصادية وتضخم الهشاشة، لتصنع خريطة انتخابية هجينة لا مكان فيها للكفاءة ولا للبرامج، إنها عملية “تبضيع” للكرامة، واستثمار سياسي في الفقر، لا ينتج إلا مزيداً من الإذلال السياسي والانحدار المجتمعي.
أما الحماس المفرط للمونديال، فتعتبره أبو زيد لحظة تسويقية بلا أفق، تُستعمل كستار لتجميل واجهة الحكم، وتُضخّم في الإعلام كإنجاز وطني بينما المؤسسات تتآكل، والثقة في الدولة تنهار، والمجتمع يُدار بمنطق المناسبات والتصفيق الأجوف، إنها حكومة “البهرجة الرياضية”، التي تُغري الشباب بالشاشات ولا تمنحهم أملاً في واقع ملموس، ولا مشروعاً ثقافياً حقيقياً يربطهم بالوطن كتاريخ ومستقبل ومصير مشترك.
وفي واحدة من أكثر مواقفها جرأة، تسائل أبو زيد دور “اليوتوبرز” في العملية السياسية، واصفةً ما يحدث بـ”التأطير اليوتوبرزي” الذي يصنع شرعيات وهمية تستبيح الفضاء العمومي بلا فكر، وتؤثر في مزاج الناخبين من خارج الأحزاب والمرجعيات والقيم، هو زمن الرقمنة الفارغة من المعنى، حيث تُقايض النخب الحقيقية بضجيج مؤثرين لا يملكون رؤية، وتُهندس الخرائط الانتخابية على مقاس عدد المشاهدات وليس على أساس الكفاءة والجدارة السياسية.
ما تطرحه أبو زيد لا يُختزل في تدوينة، بل هو بمثابة إعلان لحالة استعجال ديمقراطي، في لحظة دقيقة تتقاطع فيها مؤشرات التراجع، وتتعاظم فيها علامات الفساد السياسي والزبونية الممنهجة، إنها صرخة من داخل البيت الحزبي، لكنها موجهة إلى الوطن برمّته، إلى نخبه وطبقاته المتوسطة وشبابه المتردد على أبواب الهجرة واليأس.
إن لم نفتح ورش إصلاح حقيقي، يبدأ من مراجعة القوانين، ويصل إلى تطهير المشهد من “الانتفاعيين الجدد” الذين يحتقرون وعي المواطن، فسنُشيّع ما تبقّى من الأمل في صندوق لا يفرز سوى الخذلان، الانتخابات المقبلة لن تكون سوى إعادة إنتاج لبؤس ديمقراطي، إن لم نستيقظ جميعاً من سُبات الزينة والإلهاء، ونواجه الحقيقة: أن الوطن لا يُقاد بالقفة، ولا يُبنى بالمونديال، ولا يُفكر له عبر يوتيوبرز مدفوعي الأجر.

