بقلم: محمد غفغوف
حين نتحدث عن فاس، فنحن لا نتحدث عن مجرد مدينة من مدن المغرب، بل عن أصل الأشياء. عن الجذور، والذاكرة، والرمز، عن أول عاصمة للدولة المغربية، وعن المدينة التي أنجبت العلماء والفقهاء والفنانين والمجاهدين، عن الحواضر التي لا تكتفي بالتاريخ، بل تصنعه.
لكن ماذا تبقّى من فاس اليوم؟
المدينة التي كانت مرجعية وطنية في الفكر والثقافة والاقتصاد والسياسة، تبدو اليوم وكأنها تبحث عن ذاتها في مرايا معطوبة: طرق محفّرة، أحياء مهمّشة، تراث مهدّد، استثمارات خجولة، مشهد ثقافي باهت، وجيل جديد يشعر بالغربة داخل مدينته.
وليس المشكل في فاس… بل فينا نحن.
في مسؤولين نسوا أن موقعهم تكليف لا تشريف، وفي فاعلين اقتصاديين اكتفوا بالانتظار بدل المبادرة، وفي نخب ثقافية رضيت بالعزلة، وفي شباب محبط لا يجد من يصغي إليه، وفي ساكنة تتألم في صمت… وكأن فاس لم تعلّمهم يومًا أن لا ينحنوا.
فاس اليوم لا تحتاج إلى خطابات، بل إلى وعي جماعي.
نحتاج إلى منتخبين يؤمنون بأن خدمة المدينة ليست مناسبة عابرة، بل عهد ومسؤولية.
نحتاج إلى مستثمرين يراهنون على فاس، لا فقط حين تكون الظروف مواتية، بل أيضًا حين تكون الحاجة ملحة.
نحتاج إلى مجتمع مدني فاعل، لا مُتفرج.
وإلى رجال تعليم يزرعون في الأجيال الجديدة حب المدينة لا فقط في الدروس، بل في القدوة.
ونحتاج قبل كل شيء، إلى شباب يعيدون اكتشاف مدينتهم، ويصالحونها مع الأمل.
فاس ليست عبئًا كما يظن البعض، بل فرصة.
فرصة لأن نستيقظ، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نكون على قدر المسؤولية التاريخية.
فاس لا تموت، لكنها تئن… وهي تنادي أبناءها: أين أنتم؟ وهل لا زلتم تذكرون من أنتم؟

