بقلم: محمد غفغوف
في الوقت الذي تعرف فيه مدينة الدار البيضاء دينامية لافتة على مستوى التدبير الجماعي، تبرز فيها بوضوح ممارسات تنمّ عن وعي بأهمية الحكامة المحلية التشاركية، يظلّ الوضع في مدينة فاس غامضًا في الكثير من تفاصيله، ومفتقرا إلى الحدّ الأدنى من التنسيق المؤسساتي الذي يضمن إشراك مختلف الفاعلين السياسيين والجماعيين في اتخاذ القرار.
فعمدة العاصمة الاقتصادية السيدة نبيلة الرميلي، كما يتابع عدد من المهتمين والفاعلين، دأبت منذ بداية ولايتها على تنظيم اجتماعات دورية تجمعها برؤساء مقاطعات المدينة، وأخرى مع رؤساء الفرق الحزبية الممثلة في المجلس، سواء من الأغلبية أو المعارضة، في مشهد يوحي بإرادة حقيقية لتكريس ثقافة التشارك والتواصل داخل المؤسسة المنتخبة.
هذا السلوك التشاركي لا يصب فقط في مصلحة التنسيق الداخلي، بل ينعكس أيضًا على نجاعة البرامج والمشاريع، ويُسهم في التخفيف من حدة التوتر السياسي داخل المجالس، ويمنح المكونات المعارضة هامشًا للمشاركة والتعبير والمساءلة، بدل أن تبقى حبيسة ردود الفعل الغاضبة أو البيانات المنفردة.
في المقابل، لا يبدو أن جماعة فاس تسير في الاتجاه ذاته، فالسؤال الذي يُطرح اليوم بقوة:
هل يقوم عمدة مدينة فاس، السيد عبدالسلام البقالي، بعقد اجتماعات منتظمة مع رؤساء المقاطعات ورؤساء الفرق السياسية داخل المجلس؟
هل هناك قنوات حقيقية للتشاور الجماعي حول الملفات الكبرى التي تهم الساكنة، أم أن الأمور تُدار داخل دائرة ضيقة من المحيطين بالعمدة، وبمنطق يغلب عليه الطابع الفردي؟
الواقع، كما يُتابعه العديد من الفاعلين المحليين، يُشير إلى غياب واضح لهذا النوع من التنسيق، وإلى انكماش في دائرة المشاورات، الأمر الذي يضعف الأداء الجماعي، ويخلق مسافة سياسية وتنظيمية بين مكونات المجلس، ويفتح المجال أمام سوء الفهم وغياب الثقة، بل والاصطفافات غير المفهومة أحيانًا.
إن مدينة بحجم فاس، بتاريخها ووزنها الرمزي والاقتصادي، لا يمكن أن تُدار بمنطق الفرد أو المجموعة الصغيرة.
إنها مدينة تحتاج إلى روح جماعية في التسيير، وإلى مناخ سياسي ناضج يضع مصلحة المدينة فوق كل الحسابات.
ولا يمكن الحديث عن تنمية محلية أو جذب للاستثمار أو تخليق للخدمات، في ظل تغييب الرأي الآخر، وتهميش المنتخبين الذين منحهم المواطن ثقته.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في طريقة تدبير جماعة فاس، والقطع مع الأساليب القديمة التي لم تنتج سوى التراجع والجمود.
فالعمل الجماعي الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بمستوى الإنصات، والتشاور، والاحترام المتبادل داخل المؤسسة.
فهل من مستجيب؟

