المغرب 360 : محمد غفغوف
منذ سنوات، يحتل ملف الشباب موقعًا مركزيًا في النقاش العمومي بالمغرب، باعتبارهم الفئة العمرية الأكثر عددًا، والأكثر تأثرًا بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية، والأكثر تعرضًا كذلك لمخاطر الهشاشة والتهميش، وإذا كان دستور 2011 قد شكّل منعطفًا مهمًا في الاعتراف بدور الشباب، فإن ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات عمومية فعالة ما تزال موضع جدل بين الفاعلين والخبراء.
وفي حوار موسع مع جريدة الصباح (عدد 7797 – 19/20/21 غشت 2025)، توقف الباحث في قضايا الشباب والثقافة والمجتمع المدني، إسماعيل الحمراوي، عند الإشكالات البنيوية التي تعترض مشاركة الشباب في الحياة العامة، مؤكّدًا أن الديمقراطية الحقيقية تُقاس بدرجة إدماج الشباب في مؤسساتها، وأن أي مشروع إصلاحي أو تنموي يظل ناقصًا إن لم يكن الشباب في قلبه، ويرى الحمراوي أن المطلوب اليوم هو القطع مع المقاربات التقليدية التي تتعامل مع الشباب كمجرد “موضوع للسياسات العمومية”، واعتماد سياسات أكثر جرأة تمنحهم المكانة المستحقة كفاعلين وشركاء في القرار، وهو ما يتطلب تعزيز حضور الشباب داخل الأحزاب السياسية والمجالس المنتخبة، وفتح الباب أمامهم لتولي المسؤولية عوض حصرهم في أدوار ثانوية أو رمزية، ويعتبر أن تجربة المغرب خلال العقدين الأخيرين أظهرت أن غياب إدماج فعلي للشباب داخل المؤسسات ينعكس سلبًا على المشاركة السياسية، ويؤدي إلى عزوف متزايد، لاسيما في الاستحقاقات الانتخابية.

وأشار الحمراوي إلى أن الخطب الملكية المتتالية وضعت الشباب في صلب الأولويات الوطنية من خلال التأكيد على التشغيل والتعليم والتكوين والاندماج الاقتصادي والاجتماعي، غير أن الإشكال يكمن في الفجوة بين التوجيه الملكي وبين الترجمة المؤسساتية والعملية، فالنجاح الحقيقي للرؤية الملكية رهين بقدرة الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية على تحويل تلك التوجيهات إلى برامج ملموسة ومؤسسات فاعلة وأدوات حكامة ناجحة. ومن هنا دعا إلى إعادة تقييم شامل للإستراتيجيات الوطنية للشباب، خاصة تلك التي انطلقت بعد 2011، قصد الوقوف على ما تحقق وما تعثر.
وفي حديثه عن المجتمع المدني، شدّد الحمراوي على أن الجمعيات والمنظمات الشبابية والثقافية يمكن أن تشكّل مدرسة حقيقية للمواطنة والمشاركة إذا ما تم دعمها وتبسيط المساطر أمامها بعيدًا عن البيروقراطية المفرطة أو الاستغلال السياسي الضيق، كما اعتبر أن الرهان المستقبلي يكمن في الاستثمار في الرأسمال البشري للشباب من خلال التربية على الديمقراطية وتكريس قيم الحوار والمبادرة وتوفير فضاءات للإبداع والاندماج.
الحوار الذي أجراه الحمراوي لا يكتفي بتشخيص الأعطاب، بل يطرح أسئلة صريحة من قبيل: كيف يمكن تحويل الاهتمام السياسي والإعلامي بالشباب إلى نتائج ملموسة؟ وهل تملك الأحزاب الإرادة الحقيقية لتجديد نخبها وإعطاء الكلمة للشباب؟ وما السبل الكفيلة بردم الفجوة بين التوجيهات الملكية والسياسات العمومية الفعلية؟ هذه الأسئلة، وفق الحمراوي، تظل مفتوحة على مستقبل التجربة الديمقراطية المغربية، لأن مشاركة الشباب ليست خيارًا تكميليًا، بل شرطًا أساسيًا لنضج الممارسة السياسية.
في نهاية المطاف، يوجّه إسماعيل الحمراوي رسالة واضحة: لا تنمية بدون شباب، ولا ديمقراطية بدون مشاركتهم الفعلية، فإما أن يتم إدماجهم في قلب الفعل السياسي والمؤسساتي بما يضمن تجديد الدماء والأفكار والبرامج، وإما أن يظل الخطاب حول الشباب مجرد شعارات عاجزة عن مواجهة تحديات الواقع. المستقبل، إذن، لن يُبنى إلا على إيمان راسخ بقدرات الشباب، وعلى إرادة سياسية قوية تجعل من هذه الفئة قوة اقتراحية وشريكة في القرار لا مجرد جمهور يتابع من بعيد.

