بقلم: محمد غفغوف
يبدو أن التحالف الحكومي الذي يقوده حزب التجمع الوطني للأحرار يعيش اليوم واحدة من أكثر لحظاته ارتباكًا، بعدما اختارت قيادات من الحزبين الحليفين، الاستقلال والأصالة والمعاصرة، أن تغسل يديها من “الوضعية الراهنة” التي تمر منها البلاد، وكأنها لم تكن شريكًا أصيلاً في صناعة القرارات والسياسات العمومية خلال السنوات الثلاث الماضية.
هذا الانفصام السياسي الواضح لم يعد يخفى على أحد، فبدل أن تخرج مكونات الأغلبية ببيان موحّد يقدّم تقييماً موضوعياً لمسار الحكومة ويصارح المواطنين بما تحقق وما تعثر، اختارت بعض القيادات أن ترفع راية “المعارضة الناعمة”، تمهيدًا لحملة انتخابية مبكرة تهدف لتبييض الوجه الحزبي استعدادًا لاستحقاقات 2026.
تصريحات قيادات من الاستقلال والأصالة والمعاصرة حول حراك الشباب المغربي الأخير، لم تكن بريئة ولا معزولة، فقد تحدثت تلك القيادات باسم أحزابها، لا كأحزاب حاكمة، بل كقوى مراقبة للوضع من الخارج، وهو ما يشكل ضربًا صريحًا لأبسط قواعد العمل الحكومي المشترك، ويفضح هشاشة التحالف الثلاثي الذي يبدو أنه فقد تماسكه السياسي والأخلاقي قبل انتهاء ولايته.
الرأي العام المغربي، الذي أصبح أكثر وعيًا وتمييزًا، لم يمر مرور الكرام على هذه الازدواجية في الخطاب، فقد عبّر الكثير من المواطنين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن رفضهم لهذه الممارسات الانتهازية التي تحاول التنصل من المسؤولية الجماعية للحكومة، وكأن المغاربة نسوا من صوت على القوانين، ومن دافع عنها، ومن صمت حين كان يجب أن يتكلم.
إن محاولة بعض الأطراف الحكومية ركوب موجة “غضب الشارع” بعد ثلاث سنوات من الصمت المريب، تكشف عن أزمة ثقة عميقة داخل التحالف، وعن غياب رؤية سياسية متماسكة تؤمن بالتضامن الحكومي كقيمة، لا كواجهة.
فحين يتحول الشريك إلى “ناقد”، والحليف إلى “منافس”، يصبح من الطبيعي أن يُطرح السؤال الكبير:
هل ما زال هذا التحالف قادرًا على الاستمرار إلى غاية 2026؟
أم أن المشهد السياسي المغربي يستعد، باكراً، لولادة تحالفات جديدة تُطبخ على نار الحملة الانتخابية القادمة؟
ما يجري اليوم ليس مجرد “اختلاف في التقدير السياسي”، بل هو انعكاس لتآكل الثقة بين مكونات حكومة أخنوش، ولرغبة بعض قادتها في القفز من السفينة قبل أن تغرق..
غير أن المغاربة، هذه المرة، لن تنطلي عليهم لعبة “التنصل” ولا “إعادة التجميل”، فالذاكرة السياسية للشعب أصبحت أكثر حدة من أي وقت مضى، ولن تغفر للسياسيين الذين يهربون من مسؤولياتهم حين تشتد العاصفة.

