المغرب360 : محمد غفغوف
يحدث أحيانًا أن تمرّ المدن بفتور يشبه الغياب، ثم تعود فجأة كما تعود الروح إلى الجسد. هذا ما يمكن قوله عن فاس الاتحادية، التي استعادت في مؤتمرها الأخير بعضًا من ملامحها القديمة، يوم كان النضال فكرة، والالتزام شرفًا، والانتماء للحزب انتماءً لقيم قبل أن يكون لمواقع.
انتخاب المناضل امحمد ياسر جوهر كاتبًا إقليميًا، والأستاذ مولاي أحمد الطاهري رئيسًا للمجلس الإقليمي، لم يكن مجرد إعلان عن أسماء جديدة، بل عودة إلى تقاليد في التنظيم والسياسة، إلى معنى المسؤولية التي تُمارس لا التي تُمنح، فقد بدا المؤتمر لحظة مصالحة بين الحزب وذاكرته، بين الجيل الذي أسّس والجيل الذي ما زال يؤمن بأن الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد حزب، بل ضميرٌ وطنيّ متجذّر في الوعي الجماعي للمدينة.
لقد عرفت فاس عبر التاريخ أن الاتحاد الاشتراكي كان فيها أكثر من تنظيم سياسي؛ كان مدرسة للفكر، ومنبرًا للحرية، ومختبرًا للأفكار التي ساهمت في صياغة الوعي الديمقراطي بالمغرب. لكن، كما في كل تجربة بشرية، تسللت الخلافات، وغابت الثقة، وتفرّقت الصفوف، واليوم حين تعود الوجوه التي غابت، ويُفتح الباب أمام جيل جديد من المناضلين، فإن الرسالة الأوضح هي أن البيت الاتحادي قرّر أن يتنفس من جديد.

غير أن العودة الرمزية لا تكفي. فالمطلوب اليوم أكثر من التهاني والخطب: المطلوب مشروع جماعي يعيد للحزب بريقه في الشارع الفاسي، ويفتح نوافذه أمام الكفاءات النزيهة والشابة، تلك التي تبحث عن معنى للانتماء في زمنٍ فقد فيه الكثيرون الثقة في السياسة.
إن الاتحاد الاشتراكي، إن أراد أن يستعيد مكانته، فعليه أن يعود إلى جوهره الأول: الإنصات للناس، الدفاع عن قضاياهم، وتحويل القيم إلى فعلٍ يوميٍّ في الميدان. فاس تنتظر من قادتها الجدد روح المبادرة، لا ترف الخطابة.
فاس الاتحادية لا تموت، قد تخفت أصواتها حينًا، لكنها لا تغيب عن ضمير المدينة. لأن المدن التي عرفت طعم النضال الحقيقي، لا تُنسى فيها التجارب، ولا يموت فيها الحلم.

