بقلم : محمد غفغوف
في مدينةٍ كانت تُلقَّب يومًا بالعاصمة العلمية، وبوّابة النخوة الوطنية، صار كثيرٌ من الوجوه السياسية لا يربطها بالسياسة سوى الاسم… ولا يربطها بالمدينة سوى الواجهة التي تستر وراءها الصفقات والمصالح.
فاس التي أنجبت رجال فكرٍ ودولة، صارت اليوم ساحة مفتوحة لأشباه السياسيين، الذين جعلوا من الانتماء الحزبي سلّمًا للوصول، لا وسيلةً للإصلاح.
يُبدّلون الولاءات كما يُبدّل التاجر سلعته، ويغادرون من حزبٍ إلى آخر كما ينتقل المقامر بين طاولات الحظ، بحثًا عن “صفقةٍ جديدة” أو “ترقيةٍ انتخابية” تُعيد إليهم البريق الزائف.
هؤلاء لم يأتوا لخدمة المدينة، بل لخدمة أنفسهم.
يتقنون فن الخطابة في الحملات، وفن الغياب بعدها.
يتحدثون عن التنمية بألسنةٍ من حرير، ثم يلتهمون كل خيطٍ فيها عندما يُغلق الصندوق الانتخابي.
يسوّقون الأوهام باسم الإصلاح، ويجعلون من فاس مجرد رقمٍ في سباق الريع والمنافع.
لكن فاس — وأهلها — لم يعودوا كما كانوا بالأمس.
لقد سئم الناس الوعودَ الباهتة، وتعبوا من مسرحية “التمثيل الانتخابي” التي تتكرر بوجوهٍ مختلفة ونهايةٍ واحدة: خيبةٌ جديدة.
اليوم، بدأت الأصوات الحرة تُكسر جدار الصمت.
لم يعد الحياد فضيلةً حين تتحول المدينة إلى ضحيةٍ يومية.
السكوت عن الفساد خيانة، والمجاملة تواطؤ، والصمت في حضرة العبث جريمةٌ لا تغتفر.
قريبًا، ستُفتح الملفات… وسينكشف من جعل من السياسة سوقًا، ومن فاس سلعةً تُباع وتشترى.
لن يكون الهدف التشهير، بل تطهير المشهد السياسي المحلي من شوائب الريع والتزييف، وإعادة الاعتبار لقيمة العمل العام النزيه، كما أراده الشرفاء الأوائل.
فاس لا تستحق هذا العبث، ولا هؤلاء الطفيليين الذين احترفوا التجارة في رصيدها الرمزي والتاريخي.
فاس تستحق الصدق، والكفاءة، والرجال الذين يخدمونها لا الذين يتغذّون على جراحها.

