المغرب 360 : متابعة
تراجع الدور التقليدي للشمال المغربي كمسار مكمّل في برامج السياح الأجانب، وصار اليوم رقعة جذب مستقلّة تقف في الصف الأول لخارطة السفر نحو المغرب. فطنجة وشفشاون باتتا وجهتين مقصودتين عمدًا، لا محطتين ثانويتين، في سياق تحوّل عالمي نحو تجارب سفر أكثر هدوءًا وخصوصية وتحرّرًا من الجولات الجماعية والإيقاع السياحي السريع.
هذا التحول ليس مسألة ذوق عابرة، بل مسار متصاعد تؤكده تفاعلات منصات السفر الدولية، خصوصًا “تريب أدفايزور”، حيث تتزايد التوصيات بتعديل البرامج الكلاسيكية وإعادة توزيع أيام السفر، إلى درجة أنّ مقترحًا بتقليص الإقامة في مراكش لصالح تخصيص وقت أكبر لاكتشاف طنجة وشفشاون حصد تجاوبًا واسعًا ودفع العديد من الزوار إلى مراجعة خياراتهم فعليًا.

على أرض الواقع، تعكس المؤشرات الرسمية هذا الإقبال المتصاعد. فقد سجّلت منشآت الإيواء في عمالة طنجة–أصيلة ارتفاعًا مهمًا بنسبة 18 في المئة في ليالي المبيت بنهاية غشت مقارنة بسنة 2024، وبلغ مجموع ليالي المبيت خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام أكثر من مليون و335 ألف ليلة، لترتقي المدينة إلى المرتبة الرابعة وطنيًا بعد مراكش وأكادير والدار البيضاء، متجاوزة فاس ذات التاريخ العريق والمكانة الثقافية الراسخة. ورغم أن متوسط نسبة الملء السنوي بلغ حوالي 52 في المئة، فإن ذروة الصيف أظهرت قوة الطلب، حيث استقبلت طنجة خلال غشت وحده نحو 313 ألف ليلة مبيت بنسبة إشغال وصلت 87 في المئة.
في المشهد ذاته تتألق شفشاون بخصوصيتها الجبلية وروحها الهادئة وألوانها الزرقاء التي أضحت رمزًا بصريًا عالميًا. المدينة استطاعت فرض حضورها بقوة عبر المحتوى الرقمي والصور الفاتنة، بينما تقدّم طنجة تجربة حضرية متوسطية معاصرة مدعومة ببنية تحتية متطورة تشمل ميناءً ترفيهيًا ومطارًا دوليًا وخطًا للقطار فائق السرعة، ما يعزّز سهولة الوصول ويزيد من جاذبية الإقامة.
تنتظر المنطقة زخمًا إضافيًا خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا مع احتضان طنجة لمباريات كأس أمم إفريقيا 2025، في فرصة جديدة لتعزيز موقعها كمدينة دولية مرموقة، فيما تواصل شفشاون ترسيخ مكانتها كمدينة تتحدث صورها بالنيابة عنها. وهكذا يتكرّس اتجاه سياحي جديد يعيد التوازن للخريطة الوطنية ويمنح الشمال المغربي المكانة التي يستحقها باعتباره مقصدًا يستدعي التوقف العميق، لا المرور العابر.

