فاس : محمد غفغوف
في خرجة قوية تحمل أكثر من رسالة، كشف سعد أقصبي، نائب عمدة فاس، عن معطيات صادمة تهم تدبير بعض المرافق الجماعية التي يفترض أن تشكل رافعة مالية حقيقية للمدينة، لكنها تحولت إلى عنوان بارز للهدر وضياع الفرص. أقصبي، الذي كان يتحدث خلال لقاء مفتوح نظمته جمعية المستقبل للصحفيين الشباب بحضور عدد من نواب العمدة، أكد أن جماعة فاس تخسر شهرياً ما لا يقل عن 40 مليون سنتيم بسبب سوء تدبير ملاعب القرب، وهو رقم يعادل تقريباً المداخيل التي كانت تحققها الجماعة من قطاع مواقف السيارات.
هذا التصريح أعاد إلى الواجهة سؤال الحكامة المحلية، وجدوى السياسات المعتمدة في تدبير المرافق الجماعية، خاصة في مدينة بحجم فاس، التي تعيش ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً متزايداً، وتحتاج إلى كل مورد مالي ممكن لتحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وأوضح أقصبي أن ملف ملاعب القرب أصبح نموذجاً صارخاً لاختلالات التدبير، حيث تحولت هذه الفضاءات، التي أنشئت أصلاً لخدمة الشباب وتشجيع الممارسة الرياضية داخل الأحياء، إلى مصدر استنزاف مالي بدل أن تكون مورداً داعماً للميزانية الجماعية. وأشار إلى أن الجماعة تفقد شهرياً مبالغ مهمة كان من الممكن توجيهها لقطاعات أكثر إلحاحاً، من قبيل النظافة، والإنارة العمومية، وصيانة الطرق، والدعم الاجتماعي.
وفي المقابل، قدم نائب العمدة تصوراً وصفه بـ”العملي والقابل للتنفيذ” بخصوص قطاع مواقف السيارات، معتبراً أن هذا الورش إذا تم تدبيره بمنطق اقتصادي حديث وشفاف، يمكن أن يتحول إلى أحد أهم مصادر التمويل الذاتي للجماعة.
وأشار إلى أن المشروع المقترح يقوم على اعتماد بطاقة شهرية موحدة بقيمة 60 درهماً لكل سيارة، تمنح لصاحبها حق التوقف في مختلف نقاط المدينة دون تعقيدات أو تعدد في الرسوم، وهو ما من شأنه، حسب تقديره، أن يحقق مداخيل سنوية قد تصل إلى 30 مليون درهم، إضافة إلى خلق ما يقارب 2500 منصب شغل مباشر وغير مباشر، بما يساهم في امتصاص جزء من البطالة وتحقيق نوع من العدالة المجالية في الاستفادة من هذا القطاع.
وأكد أقصبي أنه سبق أن طرح هذا التصور في أكثر من مناسبة، سواء داخل الاجتماعات الرسمية أو في النقاشات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، غير أن المشروع ظل حبيس الرفوف، دون أن يجد الإرادة السياسية الكافية لتحويله إلى واقع ملموس.
ويرى متتبعون أن هذه الأرقام لا تعكس فقط خللاً في التدبير، بل تكشف أيضاً غياب رؤية استراتيجية واضحة في استثمار المرافق الجماعية، حيث تستمر المدينة في فقدان موارد مالية مهمة بسبب قرارات مؤجلة، وملفات عالقة، ومقاربات تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الحضرية والاقتصادية.
فاس، التي تبحث اليوم عن نموذج تنموي محلي أكثر نجاعة، تبدو في حاجة إلى قرارات جريئة تتجاوز منطق التدبير اليومي إلى منطق البناء المؤسساتي والاستثمار الذكي للمرافق العمومية، لأن مدينة بتاريخها وثقلها الحضاري لا يمكن أن تستمر رهينة اختلالات قابلة للحل، لكنها مؤجلة بفعل الحسابات الضيقة.
وبين نزيف ملاعب القرب، وفرص مواقف السيارات الضائعة، يظل السؤال الأكبر مطروحاً: من يتحمل مسؤولية هذا الهدر؟ ومتى تتحول المقترحات الجادة إلى قرارات تنفيذية تنقذ ما تبقى من الثقة في تدبير الشأن المحلي؟

