تطوان : المغرب360
بقلم : ذ/ أحمد درداري
بالرغم من كون الفكر رأسمال مشترك، فقد يعاكس التفكير النقدي لدى البعض، ذلك التوازن الذي يقبل به المنطق، وإن احتفظ عقل الناقد بنسبية تحقيق الاستجابة لتطلعات صاحبه، وقد يكون سببه وجود تفاوت في درجات الإلمام بمخاطر التفكير في مواضيع معينة دون الالمام بظروف وعلاقات ومآلات الأمور، فقد أصبح منطق العصر يعتمد على تبادل المصالح لا على جدلية التنافس حول الفرص. وقد اصبحت اختيارات الاشخاص تسير في اتجاه لا ينسجم مع الانتظارات المرجوة، ولا تتنبأ بعواقب سوء التقدير، وتجاوز القدرة على الانصات للآخر يتسبب في هدر فرص استغلال الجهد المشترك، ويتم إضعاف الجهد في مواضيع تغذي صراعات تفرز ولاءات شخصية وتفرغ الادارة من روح المسؤولية .
ان منطق الحداثة المعاصر أتاح امكانية القفز على قيم ومبادئ ثقافة التغيير والإصلاح ومحاربة الفساد وبناء مؤسسات أكثر شفافية، رغم الأصوات المنادية بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، والانطلاق نحو نموذج تنموي جديد قائم على الكفاءة والعدالة الاجتماعية، غير أن الواقع أظهر أن مستوى بعض الأفراد ما يزال دون مستوى التطلعات، ويرفضون ما ينتظره المجتمع، وهنا تكمن الفجوة بين ما يطمح إليه المواطن وما تفرزه الشخصنة المؤسساتية المكلفة و الغير منتجة.
ان عمليات التوظيف التي لا تحترم الكفاءة في المباريات ولا ترتبط بتحسين صورة الادارة لدى المواطنين، تزيد من تعقيد الوضع داخل المؤسسات التي تحتاج إلى التنسيق وتكامل الأدوار لمواجهة التحديات المعلنة.
وفي الواقع يلجأ بعض المسؤولين إلى نهج أسلوب التقريب والإبعاد وأحيانا إلى اختلاق المشاكل للتغطية على الاختلالات، وهدر الطاقات والموارد والزمن الإداري، واختصار الطريق، وادعاء المشروعية الإدارية لتحقيق المصالح الضيقة، بدلا من التحلي بالشفافية بكل شجاعة وقوة إرادة إصلاحية.
فكل مسؤول يطرح بالأسبقية قضايا اقربائه والذين تجمعه بهم تبادل المصالح باسم الادارة، ولا يحاسب عن حدود الصلاحيات التي تقيده، يزيد الوضع تعقيدا.
والحرية من القيم المركزية في الفكر الإنساني، إذ تشكل أساس الكرامة الإنسانية ومرتكز بناء المجتمعات الديمقراطية. غير أن الحرية لا تُختزل في معناها الذي يقصد به عدم تبعية الفرد في اختياراته لأية جهة، أو حصرها في بعدها القانوني أو الفلسفي، بل تمتد إلى المجال التربوي بوصفها هدفا ووسيلة في نفس الوقت. ومفهوم “ديداكتيك الحرية” يعتبر مدخلاً بيداغوجياً يهدف إلى تعليم معاني ودلالات الحرية وممارستها داخل الفضاء العمومي، بدءا من الاسرة ثم المدرسة ثم الجامعة حيث يتم تكوين الشخصية المستقلة، الناقدة، والمسؤولة.
لكن الى اي حد يمكن للمؤسسات التعليمية أن تدقق في معنى الحرية وتميز حدود وضوابط ممارستها بقدر من المسؤولية في آن واحد؟
وكيف يمكن إعادة بناء ديداكتيك للحرية يوازن بين الانضباط وتنمية الاستقلالية الفكرية لدى شخصية المتعلم؟
ان مفهوم ديداكتيك الحرية هو مجموعة من المقاربات والاستراتيجيات التربوية التي تهدف إلى تمكين المتعلمين من التفكير الحر والنقدي، وتعزيز قدرتهم على اتخاذ القرار بشكل مسؤول، وترسيخ قواعد الحوار، لتأطير الاختلاف.
فمفهوم الحرية يستند إلى عدة مرجعيات، سواء مرجعية الفلسفة التنويرية التي تربط الحرية بالعقل كانط بقوله: “تجرأ على استعمال عقلك”. أو مرجعية البيداغوجيا النقدية لباولو فريري، التي ترى التعليم أداة للتحرر. أو المقاربة الحقوقية التي تجعل من المدرسة او الجامعة فضاءً للتثقيف حول الحقوق والحريات الفردية والجماعية. لذا تبقي هذه الأسس المرجعية على الحرية كقيمة مكتسبة تكرس عبر التعلم وليست مجرد شعار مبهم وأقرب إلى الفوضى.
ان الحوار والنقاش المفتوح، وتعلم مهارات حول منهجية حل المشكلات، والعمل الجماعي لبناء المستقبل، إضافة إلى توفير مساحة لحرية التعبير مع احترام الضوابط الأخلاقية، وتنمية التفكير النقدي عبر تحليل النصوص والمواقف، كلها آليات تساعد على بناء المفهوم المجتمعي للحرية وصونها للأجيال القادمة.
فالواقع ما يزال حبيس هيمنة النمط التقليدي القائم على التلقين المذعن، وانه هناك تداخل بين الحرية والفوضى داخل الفضاء العمومي، بسبب ضعف التمييز بين الحق والحرية.
فالحرية لا تعني تخطي القيم، بل هي ممارسة واعية ومسؤولية، وتجمع بين الاستقلالية والالتزام.
وديداكتيك الحرية هو مشروع مجتمعي يهدف إلى إعداد مواطن واع بحقوقه وواجباته، وجعله قادر على التفكير النقدي والمشاركة المواطنة في الحياة العامة.
كما أن السياسات المبنية على الصراع لا تدوم، ونتائجها تبقى ضعيفة ومرهونة بالتأييد أو الرفض المبني على المصلحة الشخصية، لتبقى الحكمة والمنطق المبني على التعاون لا على الخصام، هو الحل لتفادي تعميق الأزمات والتعايش مع ارتدادات الفشل.
وعليه يمكن القول إن بعض المسؤولين، يبالغون في استعمال كلمة الدولة أو القانون لدفع الانتقاد عنهم بعيدا وتجنب المساءلة حول هزالة النتائج واعوجاج المساطر الإدارية التي لا تخدم الإنصاف ولا التنمية.
إن أي مسؤول لا يهتم بإعادة بناء الثقة داخل الادارة وبين المرفق العام والمرتفقين ، يسبب تعميق الفجوة ويُضيّع فرصا ثمينة على البلد، ولا يربط المهام المنوطة بالنموذج التنموي الجديد، بل يساهم في ضرب الثقة في الإدارة ويمس بالسلم والاجتماعي،.
وتجدر الإشارة إلى أن ضعف الكفاءة يضيع التنمية الحقيقية ويهدر الطاقات والموارد.
والرهان الحقيقي هو مواصلة الإصلاح وليس تغذية الخلافات، والبحث عن نقاط الاختلاف أو. اصطناعها لتجنب الامتثال السلس للقانون .
فالمنطق الذي لا يقاس بالقدرة على الانتاج المبني على الالتقائية واحترام القانون وحسن تدبير الموارد، يظل منطقا بعيدا عن الصواب، ومكرسا للشخصنة التي تسيء إلى القيم والتكامل في الأدوار بين مختلف للمؤسسات .

