بقلم : محمد غفغوف
يبدو أن ملف الأعوان العرضيون بجماعة فاس قرر أخيراً أن يخرج من دهاليز النقاشات المغلقة إلى العلن، حاملاً معه سؤالاً بسيطاً في شكله، لكنه ثقيل سياسياً وأخلاقياً:
من يشتغل فعلاً مقابل المال العام، ومن يشتغل فقط داخل شبكة العلاقات والولاءات؟
لسنوات، ظل هذا الملف يُطرح داخل دورات مجلس جماعة فاس، كما وُجّهت بشأنه مراسلات رسمية، وطُرحت أسئلة من طرف مستشاري المعارضة حول معايير الاستفادة، وعدد المستفيدين، وطبيعة المهام التي يؤدونها، وكيفية مراقبة حضورهم وعملهم.
لكن الجواب السياسي ظل، في نظر منتقدي تدبير المجلس، دون مستوى حساسية الملف، بينما كان عمدة فاس يجد دائماً مخارج لتأجيل الجواب أو تفادي الدخول في تفاصيل اللوائح والأسماء والمعايير.
واليوم، يبدو أن اللائحة نفسها هي التي تتحدث، وما حملته اللوائح المتداولة من أسماء أثار أسئلة أكثر مما قدم أجوبة، خصوصاً مع وجود أسماء تنتمي، بحسب المعطيات المتداولة، إلى عائلات منتخبين، أو أشخاص مقربين منهم، أو آخرين يدورون في فلك بعض مراكز النفوذ داخل المدينة.
وهنا لا يتعلق الأمر بتصفية حسابات مع أحد، فالقانون لا يمنع ابن منتخب أو قريب منتخب من العمل، بطبيعة الحال.
لكن القانون والمنطق والأخلاق السياسية تفرض سؤالاً لا يمكن القفز عليه: هل تم اختيار هؤلاء الأشخاص وفق نفس المعايير التي خضع لها باقي المواطنين، أم أن القرب من المنتخب كان في حد ذاته معياراً غير معلن؟ هذا هو السؤال الحقيقي.
أما الأكثر إثارة للقلق، فهو ما يثار حول أسماء وردت ضمن اللوائح دون أن يكون لها، وفق المعطيات المتداولة، حضور فعلي في الميدان أو خدمات واضحة يمكن للجماعة أو المقاطعات التابعة أن تثبتها.
هنا تظهر عبارة “الأشباح” التي بدأت تتردد في النقاش العمومي.
وإذا كان الأمر مجرد ادعاءات، فأسهل رد عليها ليس الغضب ولا التخوين، وإنما نشر الحقيقة كاملة: أين يعمل كل عون؟ ما هي مهمته؟ من يراقب حضوره؟ من يوقع على أدائه؟ وما الذي أنجزه مقابل التعويض الذي يتقاضاه من المال العام؟
انتهى زمن الإجابات السياسية الفضفاضة.
فالمواطن الفاسي لا يحتاج إلى خطب طويلة حول الحكامة، ولا إلى شعارات عن ترشيد النفقات، بينما تظل ملفات من هذا النوع محاطة بالغموض.
وإذا كان عمدة فاس قد واجه هذه الأسئلة سابقاً داخل المجلس أو عبر مراسلات رسمية، فإن استمرار الجدل بعد تداول اللوائح يجعل الصمت أو المراوغة السياسية أقل قابلية للاستمرار.
لأن القضية لم تعد سؤالاً يطرحه مستشار معارض وينتهي بانتهاء الدورة، لقد أصبحت قضية رأي عام.
والسؤال هنا ليس فقط: كم يكلف الأعوان العرضيون ميزانية الجماعة؟
بل: من يستفيد من هذه الميزانية؟ وبأي معيار؟ وهل يؤدي كل مستفيد فعلاً الخدمة التي يتقاضى عنها المال؟
إذا كانت اللوائح سليمة، فليخرج المجلس بكل شجاعة ويضع النقاط على الحروف.
وإذا كانت هناك اختلالات، فليتحمل كل من له علاقة بالموضوع مسؤوليته.
أما أسوأ السيناريوهات فهو أن تتحول بطائق الأعوان إلى عملة سياسية صامتة؛ تُوزع بعيداً عن أعين المواطنين، ثم يُطلب من الجميع تصديق أن الأمر مجرد تدبير إداري عادي.
فاس ليست في حاجة إلى مزيد من الأسرار الانتخابية.
هي في حاجة إلى إدارة تقول للمواطن، بكل وضوح: هذا هو عدد الأعوان، هذه مهامهم، هذه أجورهم، وهذه هي الجهة التي تراقب عملهم.
وبالمناسبة، فإن كشف اللوائح لا ينبغي أن يكون نهاية القصة، بل بدايتها لأن نشر الأسماء وحده لا يكفي.
المطلوب هو مطابقة الأسماء بالمهام، والمهام بالحضور، والحضور بالأجر، والأجر بالحاجة الحقيقية للجماعة أو المقاطعة.
حينها فقط يمكن معرفة أين ينتهي العون العرضي الذي يشتغل في خدمة المدينة، وأين يبدأ “العون الشبح” الذي لا يظهر إلا في كشف الأجور.
وفي السياسة، هناك قاعدة بسيطة: حين يكثر السؤال عن ملف ما، لا تعالج السؤال بإخفاء الجواب. عالج الملف نفسه.
وفاس تستحق جواباً واضحاً.
ليس من العمدة وحده، وإنما من كل الجهات التي يفترض أن تراقب المال العام، لأن هذا الأخير لا يعرف الأقارب ولا الأصدقاء ولا الحلفاء ولا الدائرين في الفلك الانتخابي.
إما أن يكون هناك عمل حقيقي مقابل المال… أو أن السؤال عن المال سيصبح أكبر من قدرة أي خطاب سياسي على إسكاته.

