تطوان : المغرب360
بقلم : د احمد الوجدي : أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والسياسية بتطوان.
بمناسبة الدخول الجامعي 2026/2027 وما يثيره من أسئلة متجددة حول مسارات طلبة التعليم العتيق وآفاقهم العلمية والمهنية، يسرني ان اشارككم هذه الورقة لأثير على وجه الخصوص مسألة حاملي باكالوريا او اجازة التعليم العتيق، لأنبّه الى ضرورة الانفتاح على مختلف التخصصات الجامعية، وعدم حصر مسارهم في دائرة العلوم الشرعية، فالتكوين العتيق بما يحمله من رصيد معرفي ولغوي وأصولي ثمين، ينبغي أن يكون نقطة انطلاق نحو آفاق علمية أوسع، تمكن حامليه من الولوج إلى تخصصات وآفاق مهنية اخرى، بما يحقق التكامل بين المعارف الأصيلة والعلوم الحديثة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في موقع التعليم العتيق العالي وعلاقته بالجامعة، بما يضمن لخريجيه حقهم في الانفتاح الأكاديمي، ويحوّل شهادة التعليم العتيق من نهاية لمسار تعليمي، إلى بوابة حقيقية نحو البحث العلمي والتخصص الجامعي المتعدد.
من المعلوم بالضرورة ان التعليم العتيق بالمغرب يشكل إحدى أقدم المؤسسات العلمية والتربوية التي عرفتها الامة المغربية، ولم يكن في نشأته مجرد نمط من أنماط التعليم، وإنما كان مؤسسة اجتماعية وعلمية أسهمت عبر قرون في إنتاج المعرفة، وفي تكوين العلماء والفقهاء والقضاة والمدرسين والاطباء…
غير أن المشرع المغربي، بإصداره القانون رقم 13.01 في شأن التعليم العتيق، القاضي بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.09 الصادر في 29 يناير 2002، انتقل بالتعليم العتيق من مجال تقليدي ظل إلى حد بعيد قائما على المبادرات المحلية والعلمية إلى مجال مؤسساتي تحكمه قواعد قانونية وإدارية دقيقة.
وقد قدم القانون نفسُه هذه الخطوة باعتبارها استجابة لأهمية التعليم العتيق وانتشاره وتمسك الامة المغربية به، لكن الاعتراف بالأهمية شيء، وطريقة التنظيم والمسار شيء آخر.
ومن هنا تبرز إشكالية جوهرية:
هل استطاع القانون رقم 13.01 أن يحقق التوازن بين ضرورة تحديث التعليم العتيق وضمان جودته، وبين الحفاظ على استقلاليته العلمية وخصوصيته التاريخية؟ أم أن عملية التقنين تحولت في بعض جوانبها إلى عملية إدماج إداري أفقدت التعليم العتيق جزءا من شخصيته الاعتبارية؟
لا يمكن إنكار أن القانون رقم 13.01 يمثل من الناحية التشريعية، لحظة مهمة في تاريخ التعليم العتيق المغربي، لأنه أخرج هذا التعليم من وضعية تنظيمية مشتتة إلى إطار قانوني واضح، فالظاهر من مقتضيات، انه لم يتعامل مع التعليم العتيق باعتباره ظاهرة اجتماعية هامشية، وإنما اعترف به باعتباره جزءا من منظومة التربية والتكوين بالمغرب.
كما أن المنظومة التنظيمية اللاحقة لم تقتصر على القانون نفسه، بل صدرت نصوص تطبيقية وتنظيمية متعددة تتعلق بنظام الدراسات والامتحانات.
والسؤال الذي ينبغي طرحه هو:
هل كان التعليم العتيق بحاجة فقط إلى الاعتراف القانوني، أم كان بحاجة قبل ذلك إلى رؤية فلسفية جديدة تحدد وظيفته داخل منظومة التعليم المغربي؟
ارى ان الخطر في التشريع لا يكمن دائما في غياب التنظيم، وإنما قد يكمن في الإفراط في التنظيم، فحين تتحول المؤسسة العلمية إلى مجموعة من التراخيص، والاعتمادات، والمراقبات، والقرارات الإدارية، يصبح القانون بدل أن يكون وسيلة لحماية المؤسسة، وسيلة لإعادة تشكيلها وفق منطق الإدارة، وهنا تكمن إحدى أبرز مفارقات القانون رقم 13.01 من حماية التعليم العتيق إلى احتمال “تدجينه” مؤسساتيا.
ومما يجب التأكيد عليه ان التعليم العتيق المغربي لم ينشأ أصلا بقرار إداري، وانما نشأ منذ القدم في المسجد، والزوايا، والمراكز والمدارس العلمية، والكتاتيب، ورباطات العلم، وفي علاقات مباشرة بين الشيخ والطالب، وبين العالم ومجتمعه، وشكل الحصن الحصين في وجه المستعمر، حتى ان جميع المقيمين العامين لفرسنا بالمغرب ومن حولهم ، زمن الاستعمار كانوا يكرهون سماع اسم الكتاتيب القرآنية، وجامعة القرويين.
ونرى ان إخضاع التعليم العتيق لمنظومة قانونية وإدارية حديثة أمر مشروع من حيث المبدأ، لكنه يصبح إشكاليا إذا أدى إلى استبدال منطق المؤسسة العلمية بمنطق المؤسسة الإدارية، فالسلطة الإدارية تستطيع أن تحدد شروط فتح مؤسسة، وعدد المرافق، وشروط التأطير، ونظام الدراسة والامتحانات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع عالما ، لان التعليم العتيق لا يقاس فقط بعدد الأقسام، ولا بعدد الأساتذة، ولا بعدد الناجحين في الامتحانات، لأن جوهره هو تكوين الشخصية العلمية للطالب، ومن ثم فإن الخطر هو أن تتحول الجودة من مفهوم علمي إلى مفهوم إداري، حيث تكشف لنا المنظومة القانونية والتنظيمية للتعليم العتيق عن حضور قوي للسلطة الإدارية، ولا سيما وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي ارتبط بها جانب مهم من تنظيم التعليم العتيق وتحديد كيفيات تطبيق القانون ونظام الدراسات والامتحانات، وتؤكد النصوص التنظيمية المنشورة رسميا هذا الارتباط المؤسسي القوي.
ولا يعني هذا أن الإشراف الإداري غير مشروع، بل إن الإشراف ضرورة لضمان الجودة وحماية الأطفال والطلبة ومراقبة المؤسسات وضمان سلامة العملية التعليمية، لكن الإشكال يكمن في حدود هذا الإشراف.
فإذا كانت الإدارة تراقب البناء والتجهيز والموارد البشرية والبرامج والامتحانات، ثم تمتد سلطتها إلى التفاصيل الدقيقة للحياة العلمية، فإننا نكون أمام انتقال من الإشراف على التعليم إلى إدارة التعليم، والفرق بين الأمرين جوهري، فتحديث التعليم العتيق لا يعني تذويب خصوصيته التي لا ينبغي أن تكون مجرد مواد إضافية في المقرر الدراسي، وإنما ينبغي أن تكون فلسفة تعليمية ومنهجية تكوين.
ومن أهم الملاحظات التي يمكن تسجيلها على القانون 13.01 أنه وبحكم طبيعته التنظيمية، يميل إلى النظر إلى المؤسسة من زاوية شروط إنشائها وتنظيمها وتأطيرها ومناهجها وامتحاناتها، دون التركيز على نوع الإنسان الذي نريد أن ينتجه التعليم العتيق، هل نريد حافظا للمتون؟ أم فقيها؟ أم باحثا؟ أم أستاذا؟ ، أم قاضيا، ام عالما قادرا على فهم النص الشرعي في سياقه التاريخي والاجتماعي؟ أم خريجا قادرا على الحوار مع العلوم الإنسانية والقانونية والاجتماعية الحديثة؟
ان التعليم العتيق الذي نريده أن يستمر في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يكتفي بإنتاج حافظ للمعارف الموروثة، مهما بلغت قيمة تلك المعارف، بل عليه أن ينتج عالما بالتراث وقادرا على نقده وفهمه وتوظيفه وتجديد آليات التعامل معه.
وهذه الوظيفة تحتاج إلى رؤية تشريعية أوسع من مجرد تنظيم المؤسسات، ونؤكد الحاجة إلى مراجعة القانون وإعادة بنائه، فحسب علمي ان القانون رقم 13.01 صدر سنة 2002 أي أننا نتحدث اليوم، في سنة 2026، عن نص تشريعي مر عليه حوالي ربع قرن .
وينبغي أن تقوم المراجعة على مبادئ أساسية، أهمها: الاستقلالية العلمية، والحكامة بدل الوصاية، والانفتاح على الجامعة، والاعتراف الحقيقي بالشهادات، وإدماج العلوم الحديثة، ثم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، والعناية بالخريجين.
وهذه نقطة جوهرية لأن تحديث التعليم العتيق لا ينبغي أن ينتهي إلى إلغاء التعليم العتيق، فالتشريع يستطيع أن ينظم المؤسسة ويحدد المناهج، لكنه لا يستطيع أن يصنع العالم والروح العلمية، ويستطيع أن يحدد المناهج، لكنه لا يستطيع أن يصنع العالم.
إن أكبر خطر على إصلاح التعليم العتيق ليس أن يتطور، وإنما أن يفقد هويته باسم التطوير، لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون عملية “تحديث” للتعليم العتيق فحسب، ولا عملية “إدارية” لإخضاعه لمزيد من الرقابة، بل ينبغي أن يكون إعادة تأسيس تشريعي وفلسفي للتعليم العتيق باعتباره تعليما أصيلا، حديث الأدوات، منفتحا على الجامعة، متجذرا في المرجعية المغربية، وقادرا على إنتاج المعرفة لا مجرد إعادة إنتاجها.
وهنا تحديدا يظهر قصور قانون سنة 2002: لقد نجح إلى حد كبير في تنظيم التعليم العتيق، لكنه يحتاج اليوم إلى أن يرتقي.
ولعل أكثر المسائل إثارة للنقد في منظومة التعليم العتيق هي الطريقة التي عولج بها التعليم العتيق في مستواه العالي من خلال ربطه بجامع القرويين بفاس.
فالمشكلة هنا لا تتعلق بمجرد تسمية أو تغيير إداري، وإنما تتصل بسؤال أعمق هو:
ماذا بقي من جامعة القرويين بوصفها كانت مؤسسة جامعية للبحث العلمي والتكوين العالي، عندما أصبح مركز الثقل في التعليم العتيق العالي مرتبطا بجامع القرويين باعتباره مؤسسة للتعليم النهائي العتيق؟
من “جامعة القرويين” إلى “جامع القرويين”: هل هو مجرد تغيير في الاسم؟ ، وهنا يجب التأكيد على انه كان ينبغي أن يكون جامع القرويين قلب جامعة القرويين، لا بديلا عنها ، فالتاريخ المؤسساتي للقرويين عرف مرحلة كان فيها مفهوم الجامعة مرتبطا بالتكوين العالي والبحث العلمي وبوجود مؤسسات جامعية متعددة ذات بِنْية للبحث العلمي، فالتعليم العالي منظومة لإنتاج المعرفة، والنقد، والبحث، والمناقشة، والتخصص، ونشر النتائج العلمية، ومن ثم فإن المفارقة الأكثر خطورة هي ربط التعليم العتيق العالي بجامع القرويين وبالمؤسسات التابعة له، وهنا ينبغي أن نطرح السؤال بكل صراحة:
هل مستوى “العالمية” أو التعليم النهائي العتيق، مهما بلغت قيمته العلمية، هو في ذاته تعليم جامعي بالمعنى الأكاديمي الحديث؟
الجواب ينبغي أن يكون دقيقا، إذا كان المقصود بالتعليم الجامعي مجرد تدريس مواد علمية متقدمة، فقد يصح ذلك جزئيا، أما إذا كان المقصود جامعة بالمعنى المؤسسي الحديث، فإن الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير.
ونختم بالإشارة الى حرص الملك الحسن الثاني رحمه الله، على صيانة التعليم العتيق وترسيخ مكانة الكتاتيب القرآنية ، وتطوير جامع القرويين من داخل جامعة القرويين ، فلم يكن اهتمامه بالكتاتيب القرآنية مجرد عناية بحفظ القرآن، وإنما نظر إليها باعتبارها قاعدة لتكوين الناشئة وترسيخ ثوابت الامة المغربية، وكانت غايته رحمه الله ان تبقى القرويين مورداً للمعارف الدينية والدنيوية، ومن ثم فإن رؤيته في هذا المجال تكشف عن تصور متكامل يجعل التعليم العتيق، سلسة علمية متصلة، لا مجرد موروث تاريخي وتنظيم اداري ممركز ثقيل، وإنما مؤسسة حية تضطلع بوظيفة علمية وحضارية في بناء الشخصية المغربية وصيانة ثوابتها.
د احمد الوجدي : أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والسياسية بتطوان.

