تطوان : المغرب360
أعادت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 رسم ملامح المشهد السياسي بمدينة تطوان، بعدما كشفت الأرقام عن تحولات لافتة في موازين القوى داخل المجال الحضري، وعن تراجع واضح لبعض الأحزاب التي كانت إلى وقت قريب تمتلك حضورا انتخابيا وتنظيميا مهما بالمدينة.
غير أن قراءة نتائج تطوان تستوجب، أولا، التمييز بين مدينة تطوان، أي باشوية تطوان، وبين الدائرة الانتخابية لإقليم تطوان، لأن النتائج تختلف بين المجالين، كما أن المقاعد البرلمانية الخمسة تم توزيعها على مستوى الدائرة الإقليمية، وليس داخل المدينة وحدها.
مشاركة ضعيفة.. أكثر من أربعة أخماس المسجلين لم يشاركوا.
بلغت نسبة المشاركة النهائية على مستوى الدائرة الانتخابية لإقليم تطوان 28.91 في المائة، حيث بلغ عدد المسجلين 269,013 ناخبا، فيما بلغ عدد المصوتين 77,764، وعدد الأصوات الصحيحة 64,676، مقابل 13,088 صوتا ملغى.
وتختلف هذه النسبة بشكل واضح عن مدينة تطوان وحدها، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة 19.79 في المائة.
فقد بلغ عدد المسجلين بمدينة تطوان 179,765 ناخبا، فيما لم يتجاوز عدد المصوتين 35,572 ناخبا، أي بنسبة مشاركة بلغت حوالي 19.79 في المائة.
وبمعنى آخر، فإن أكثر من أربعة أخماس المسجلين في المدينة لم يشاركوا في عملية الاقتراع.
وهذا المعطى لا يمكن اعتباره تفصيلا إحصائيا هامشيا، بل يشكل أحد المفاتيح الأساسية لفهم النتائج؛ إذ إن الوزن الانتخابي للأحزاب داخل المدينة يعكس اختيارات حوالي خمس المسجلين فقط، وليس غالبية الهيئة الناخبة.
كما بلغ عدد الأصوات الصحيحة حوالي 29,073 صوتا، مقابل 6,499 صوتا ملغى، وهو ما يعني أن نسبة مهمة من المشاركين لم تنتج أصواتا صحيحة محتسبة في النتائج النهائية.
والفارق بين المدينة والإقليم لافت بدوره، فقد كانت المشاركة في الإقليم أعلى من مدينة تطوان بحوالي 9.12 نقاط مئوية.
العدالة والتنمية يتصدر مدينة تطوان
على مستوى مدينة تطوان، تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج بحصوله على 7,502 صوت، أي حوالي 25.8 في المائة من الأصوات الصحيحة.
وجاء التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية بـ5,945 صوتا، بفارق 1,557 صوتا عن العدالة والتنمية.
ويكشف هذا الفارق عن حضور انتخابي قوي للحزبين داخل المجال الحضري، إذ حصل العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار معا على 13,447 صوتا، أي ما يقارب 46.3 في المائة من مجموع الأصوات الصحيحة.
وهذا يعني أن قرابة نصف الأصوات الصحيحة داخل مدينة تطوان تمركزت حول قوتين انتخابيتين أساسيتين، في مقابل تشتت بقية الأصوات بين عدد كبير من الأحزاب.
الأصالة والمعاصرة.. نتيجة تحتاج إلى قراءة مختلفة
من بين النتائج التي تستحق قراءة خاصة أيضا نتيجة حزب الأصالة والمعاصرة داخل مدينة تطوان.
فالحزب حصل، وفق النتائج الخاصة بالمدينة، على 1,784 صوتا، أي حوالي 6.14 في المائة من الأصوات الصحيحة.
وقد تبدو هذه النتيجة، للوهلة الأولى، متوسطة إذا ما قورنت بالحزبين المتصدرين، غير أن القراءة السياسية والميدانية للحملة الانتخابية تقدم عناصر أخرى تستحق التوقف عندها.
فمن بين المعطيات التي طبعت حملة الحزب أن وصيف اللائحة كان ينتمي إلى المجال الحضري لمدينة تطوان، في حين أن وكيل اللائحة ينتمي إلى المجال القروي.
وهذا العامل يمكن أن يساعد في تفسير طبيعة توزيع الأصوات داخل المدينة، باعتبار أن الحضور المحلي للمرشح، ومعرفته بالأحياء وشبكات التواصل الاجتماعي والانتخابي، يمكن أن يكون له أثر على تعبئة الأصوات.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة النتيجة على أنها لا تعكس فقط قوة الحزب التنظيمية أو صورة الحزب وطنيا، وإنما أيضا الأثر الانتخابي المحتمل للمرشح الحضري الموجود في المرتبة الثانية من اللائحة.
كما أن نتيجة الأصالة والمعاصرة تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية الإمكانيات التي تم توظيفها في الحملة داخل المدينة، مقارنة بما ظهر من إمكانيات وحضور ميداني لدى حزبي الاستقلال والتقدم والاشتراكية.
وبالتالي، فإن حصول الحزب على 1,784 صوتا في ظل حملة بدت أقل من حيث الإمكانيات والموارد المستخدمة مقارنة ببعض المنافسين، يمكن أن يقرأ باعتباره مؤشرا على وجود رصيد انتخابي قابل للبناء عليه داخل المجال الحضري.
لكن هذه القراءة تظل سياسية وتحليلية، ولا تعني بالضرورة أن النتيجة تعود حصرا إلى وصيف اللائحة أو إلى مستوى الإنفاق؛ فالنتائج الانتخابية تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها الحزب، والمرشحون، والتنظيم المحلي، والحملة، وشبكات العلاقات، والسلوك الانتخابي للناخبين.
معركة الوسط.. تقارب انتخابي لافت
بعيدا عن الحزبين المتصدرين، تكشف الأرقام عن تنافس شديد في المنطقة الوسطى.
فقد حصل حزب الاستقلال على 2,296 صوتا، مقابل 2,248 صوتا لحزب التقدم والاشتراكية، أي بفارق لا يتجاوز 48 صوتا.
وهذا التقارب اللافت يجعل النتيجتين من أكثر النتائج دلالة على طبيعة المنافسة داخل المدينة.
فالتقدم والاشتراكية، رغم أن إمكانياته الانتخابية والمادية تظل محدودة مقارنة ببعض الأحزاب الكبرى، تمكن من تسجيل 2,248 صوتا.
كما أن حزب الاستقلال، بما رافق حملته من حضور وتنظيم وإمكانات ميدانية أكبر، سجل 2,296 صوتا، أي بفارق محدود جدا عن التقدم والاشتراكية.
وهذه النتيجة تطرح سؤالا مهما حول مدى ارتباط حجم الموارد الانتخابية بالنتيجة النهائية؛ إذ لا يبدو أن الفوارق في الإمكانيات انعكست بنفس النسبة على عدد الأصوات.
ومن هنا يمكن القول إن الانتخابات كشفت أن المرشح والحضور المحلي والتنظيم الميداني والخطاب الانتخابي يمكن أن تلعب أدوارا تتجاوز أحيانا حجم الإمكانيات التي يتم توظيفها في الحملة.
634 صوتا للاتحاد الاشتراكي.. رقم يستحق الوقوف عنده
لكن الرقم الأكثر إثارة للانتباه، خصوصا عند قراءة التاريخ السياسي لمدينة تطوان، يبقى هو 634 صوتا التي حصل عليها الاتحاد الاشتراكي داخل المدينة.
فهذا الرقم لا يمثل سوى حوالي 1.78 في المائة من مجموع المصوتين، وحوالي 2.18 في المائة من الأصوات الصحيحة.
وهو ما يضع الحزب أمام سؤال سياسي وتنظيمي يتجاوز مجرد خسارة مقعد برلماني.
فعلى مستوى دائرة تطوان الإقليمية حصل الاتحاد الاشتراكي على 2,455 صوتا، ولم يتمكن من الحفاظ على المقعد البرلماني الذي كان بحوزته.
أما داخل مدينة تطوان، فإن حصوله على 634 صوتا فقط يطرح بحدة مسألة حجم القاعدة الانتخابية الحضرية للحزب ومدى قدرته على استعادة حضوره داخل الأحياء.
وتكتسب هذه النتيجة دلالتها من التاريخ السياسي للمدينة، التي شكلت لسنوات واحدة من المجالات التي كان فيها اليسار، والاتحاد الاشتراكي بشكل خاص، يمتلك حضورا انتخابيا وتنظيميا بارزا.
لذلك فإن الرقم الحالي يمكن قراءته باعتباره مؤشرا قويا على تراجع الوزن الانتخابي الحضري للحزب، وليس مجرد نتيجة عابرة في استحقاق واحد.
ماذا تقول هذه النتائج عن الانتخابات الجماعية المقبلة؟
رغم أهمية هذه النتائج، فإن إسقاطها بشكل آلي على الانتخابات الجماعية سيكون خطأ في القراءة.
فالانتخابات التشريعية لها طبيعة مختلفة عن الانتخابات الجماعية، التي تلعب فيها عوامل أخرى دورا حاسما، من بينها قوة المرشحين محليا، والانتشار داخل الأحياء، والعلاقات الاجتماعية، والعمل الميداني، وطبيعة اللوائح، والتحالفات التي ستتشكل بعد الاقتراع.
لكن نتائج 23 شتنبر تمنح، مع ذلك، صورة أولية عن خريطة القوة الانتخابية داخل المدينة.
فمجلس جماعة تطوان يتكون من 55 عضوا، وبالتالي فإن الوصول إلى الأغلبية المطلقة يتطلب 28 عضوا.
وفي ظل تعدد القوى السياسية وتقارب عدد من النتائج، يصعب اختزال مستقبل المجلس الجماعي في حزب واحد أو اثنين، كما أن ترتيب الأحزاب في الانتخابات التشريعية لا يعني تلقائيا ترتيبها في الانتخابات الجماعية.
لكن المؤكد أن الانتخابات المقبلة ستكون مختلفة عن السابق، لأن الأحزاب ستدخلها وهي تحمل معها مؤشرات انتخابية جديدة كشفتها صناديق 23 شتنبر.
تطوان.. خريطة سياسية في طور إعادة التشكل
تكشف نتائج الانتخابات التشريعية أن مدينة تطوان تعيش مرحلة إعادة تشكيل لخريطتها السياسية.
فالعدالة والتنمية تمكن من تصدر المدينة، والتجمع الوطني للأحرار حافظ على حضور قوي، بينما جاءت مجموعة من الأحزاب في منطقة وسطى متقاربة، في الوقت الذي سجل فيه الاتحاد الاشتراكي تراجعا واضحا.
وفي المقابل، فإن نتيجة الأصالة والمعاصرة تستحق أن تقرأ خارج منطق الترتيب العددي فقط؛ فـ1,784 صوتا تحققت في سياق حملة اعتمدت، وفق القراءة الميدانية، على حضور وصيف اللائحة المنتمي إلى المجال الحضري، مع إمكانيات تبدو محدودة مقارنة ببعض المنافسين، وفي مقدمتهم الاستقلال والتقدم والاشتراكية.
أما نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 20 في المائة فتظل أكبر سؤال مفتوح أمام جميع الفاعلين السياسيين.
فالمعركة المقبلة لن تكون فقط حول من يملك أصوات الناخبين المشاركين، وإنما أيضا حول من يستطيع إقناع نسبة أكبر من المواطنين بالعودة إلى صناديق الاقتراع.
وهنا تحديدا ستظهر أهمية العمل الميداني، والمرشح المحلي، والقدرة على التواصل مع الأحياء، بدل الاكتفاء بقوة الاسم الحزبي أو بصورة الحزب على المستوى الوطني.
الخلاصة
لم تكن انتخابات 23 شتنبر مجرد استحقاق تشريعي عابر بالنسبة لمدينة تطوان، بل قدمت مؤشرات مهمة حول تحولات المشهد السياسي المحلي.
العدالة والتنمية في صدارة المدينة، والأحرار في المرتبة الثانية، والاستقلال والتقدم والاشتراكية في تقارب لافت، والأصالة والمعاصرة يحافظ على حضور انتخابي رغم محدودية الإمكانيات التي وظفت في حملته مقارنة ببعض المنافسين، بينما يسجل الاتحاد الاشتراكي تراجعا كبيرا.
أما الرقم الأكثر دلالة فيبقى ضعف المشاركة: 35,572 مصوتا فقط من أصل 179,765 مسجلا.
إنها أرقام تقول إن الخريطة الانتخابية لتطوان لم تعد كما كانت، وأن الانتخابات الجماعية المقبلة ستكون مناسبة لاختبار ما إذا كانت التحولات التي أظهرتها صناديق 23 شتنبر ستترجم إلى إعادة تشكيل فعلية لموازين القوى داخل مجلس جماعة تطوان، أم أن الانتخابات المحلية ستنتج خريطة مختلفة بفعل خصوصيات الأحياء والمرشحين والتحالفات.
وفي جميع الأحوال، فإن تطوان ما بعد 23 شتنبر ليست تطوان ما قبلها انتخابيا؛ فالنتائج كشفت تراجعا لقوى تاريخية، وصعودا أو استعادة لقوى أخرى، وفتحت المجال أمام منافسة محلية جديدة سيكون عنوانها الأبرز:
من يستطيع تحويل الصوت الانتخابي إلى حضور دائم داخل أحياء المدينة؟

