بقلم : محمد غفغوف
لم تكن ليلة 2026 بالنسبة إليّ مجرد ليلة انتخابية عابرة. كانت لحظة ثقيلة على القلب، خصوصاً وأنا أرى المشهد يعيد إنتاج نفسه، بوجوه قديمة وأخرى جديدة، وبوعود يعرف المواطن بعد سنوات طويلة من التجربة أن بعضها ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
فاس دفعت كثيراً خلال السنوات الماضية. المواطن البسيط دفع من قدرته الشرائية، والفقير دفع من صبره، والمهمش دفع من حقه في أن يجد من يتحدث باسمه بجدية داخل المؤسسات. ومع ذلك، أعادت صناديق الاقتراع إنتاج جزء كبير من المشهد نفسه.
لا ألوم المواطن الفقير، ولا أحمّله مسؤولية اختياراته؛ فالانتخابات لحظة واحدة، أما الفقر والحاجة وضغط الحياة اليومية فهي واقع مستمر. لكنني أتساءل بحسرة: متى سيتحول صوت هذا المواطن من مجرد ورقة انتخابية إلى أمانة ثقيلة فوق أكتاف من طلبوا ثقته؟
بعض من وصلوا إلى البرلمان يعرفون جيداً أن فاس لا تحتاج إلى نائب يجيد كتابة الأسئلة أكثر مما يجيد صناعة المواقف، ولا إلى من يكتشف قضايا المدينة عندما تشتعل الكاميرات، ثم يعود إلى صمته بعد انتهاء البث. فاس تحتاج إلى من يترافع عنها حين لا تكون هناك كاميرا، ومن يطرق أبواب المؤسسات حين لا يكون هناك جمهور، ومن يعتبر مشاكل الفقراء والمهمشين قضية يومية وليست مادة موسمية للخطاب.
ولست في حاجة إلى قراءة الغيب لأعرف أن السنوات المقبلة ستكشف الكثير. التجربة علمتني أن بعض الشعارات تكون عالية الصوت قبل الانتخابات، ثم تصبح خافتة جداً بعدها. وأن بعض الوجوه التي تتحدث باسم المدينة تختفي عندما يبدأ العمل الحقيقي، لتظهر من جديد عند أول مناسبة إعلامية.
لهذا، فإن فرحة الفوز لا تعنيني كثيراً. الاحتفال الحقيقي سيكون عندما نرى أثراً ملموساً داخل فاس، وعندما يصبح المواطن قادراً على مساءلة نائبه بما أنجز، لا بما نشره على «فايسبوك» أو قاله أمام ميكروفون.
أما أنا، فخرجت من هذه الانتخابات بحزن عميق، لا لأن فلاناً فاز وفلاناً خسر، وإنما لأنني كنت أتمنى أن تنتصر فاس أولاً.
والآن انتهى الكلام، وانتهت الوعود، وانتهت الصور.
بدأ زمن الحساب السياسي الهادئ: ماذا ستفعلون لفاس؟
فالمدينة لن تعيش على الأسئلة الكتابية، ولن تتقدم بالمنشورات، ولن تُحل مشاكل أهلها بالظهور أمام الكاميرات.
فاس أكبر من مقعد برلماني… وأكبر من صورة انتخابية… وأكبر بكثير من أن تكون مجرد محطة للوصول إلى البرلمان.

