یبدو أن محاكم الشمال لا یزال بعض الفاعلين فیھا غیر قادرین على الانعتاق من قوقعة مرحلة یفترض أنھا ذھبت بغیر رجعة. إننا حینما نتحدث عن وجود خلل في منظومة العدالة، فذلك ما لا یجب أن یفھم منھ توجیه أصابع الاتھام إلى فاعل دون غیره. كما لا یجب التسلیم بسلامة ما نحن بصدد الحدیث عنھ. فلربما كنا مخطئین ولربما كان العكس.
مفھوم القاضي
قد یكون الطبیب الذي یصدر شھادة طبیة مطعون في سلامتها ھو المعني بھذا الخلل، وقد یكون رجل الشرطة القضائیة الذي قد تسول لھ نفسھ تحریف الأقوال بالمحاضر، بقصد أو غیر قصد، والأمر نفسھ بالنسبة للعون القضائي، والمواطن الذي یدلي بشھادة الزور أو یمتنع عن الإدلاء بھا أصلا، وطبعا لیس لا رئیس المحكمة، ولا القاضي، ولا المحامي بأفضل من ھؤلاء جمیعا، بھذا المعنى؛ لم یعد مفھوم القاضي، في تصوري، مرتبطا بعضو من بین أعضاء ھیئة التحكیم
الجماعیة، لھ ولایة القضاء یحكم وفقا للقانون بین المتنازعین ویرأس المحكمة. إنما أصبح مفھومه یتعدى ھذا الشخص بأبعد من ذلك بكثیر لیشمل كل من یساھم بشكل او بآخر في إلحاق الخلل بمسلسل العدالة. فعند أول ولادة / تفریخ الخلل یكون الحكم قد صدر، وتكون العدالة اتخذت منحى باتجاه ما لا نھایة بعیدا عن العدل الذي یضمن المساواة بین الناس في الحقوق والواجبات وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن ثم یكون الخطأ له وجھين. الأول قانوني سیاسي یسيء إلى ھیبة الدولة ویضفي الشرعیة على الأصوات التي تلوح بفساد القضاء، والثاني، شرعي یضرب مبدأ العدل باعتباره فریضة واجبة على الرؤساء والمرؤوسین، تماما كما أمر الله تعالى بذلك في القرآن الكریم لتحقيق العدل في المعاملات بین الرعیة بعضھم البعض وبین الرؤساء والمرؤوسين.
نماذج من غرائب محاكم الشمال
من غرائب بعض محاكم الشمال، أنھا تقبل شكایات تتعلق بقضایا مدنیة تعود إلى أكثر من 30 سنة خلت، مع العلم أن الشخص المعني بھذه الشكایات غیر مكان إقامتھ لمرات عدة، ولإضفاء الشرعیة القانونیة على ھذه الشكایات، توجھ إدارة المحكمة رسالة في الأمر للمعني إلى آخر عنوان أقام بھ منذ 30 سنة، وتشرع في تنظیم الجلسات، وتأجیلھا كما لو أن المعني بالأمر أخذ علما بذلك، بل المصیبة العظمى أنھا تفضلت بإصدار أحكامھا في غیاب تام للمعني، وطبعا تقوم بتبلیغ منطوق الحكم للعنوان نفسه الذي استقر فیھ منذ 30 سنة.
التحري في ھذا الأمر، كشف أن ثمة أشخاص معروفون بسوابقھم العدلیة، وجدوا من یمدھم بمعلومات عن ممتلكات عقاریة لمواطنین مھاجرین، یحملون جنسیات أجنبیة إلى جانب جنسیة وطنھم الأم، ویقیمون بدیار المھجر، أصبحوا الآن مؤھلین للتحكم في أملاك ھؤلاء المھاجرین الذین فضلواوطنھم الأم عن كل بلاد الدنیا. والفضل طبعا؛ یعود لھذه الأحكام التي عبدت لھؤلاء الطریق. مع العلم ان ھؤلاء معروفون بھذه النوعیة من الدعاوي القضائیة والطعن في مطالب التحفیظ.
نموذج ثاني لغرائب بعض محاكم الشمال، مواطن مغربي بسیط، بعد سنوات من الكد والعمل، اشترى قطعة أرضیة بغرض بناء منزل للسكن. فوجئ بشخص آخر یبني فوق بقعته، وبعد أخذ ورد حكمت
المحكمة ضد شخص ثالث استعمل وثائق ملكیة أخرى وباع لفائدة شخص آخر البقعة والأخیر قام بالبناء فوقھا. بعد سنوات من الدوران في دهالیز المحكمة اقتنعت الأخیرة بأحقیة المواطن المغربي البسیط، وقضت لفائدتھ ضد الشخص الذي باع بقعتھ.. بعد سنوات سیفاجأ صاحب الحق بدعوى قضائیة ضده من طرف من أدین بالتزویر، وھذه المرة التھمة ھي استھداف الأخیر من قبل صاحب الحق بالوشایة الكاذبة والانتقام مع التھدید، ومطالبته بتعويض مالي خيالي. فكیف تقبل المحكمة دعوى من شخص ضد شخص سبق وأن أدانت الأول لفائدة الثاني؟. ( المجال لا یسمح بذكر التفاصیل) .
نموذج ثالث، مواطن متقاعد تقضي لھ المحكمة، مقابل مبلغ مالي یتطلب جمعھ سنوات وسنوات، بأحقیة استرداد محلھ الذي اكتراه لفائدة شخص یمتھن حرفة تقلیدیة أتت بالأخضر والیابس على أمن وطمأنینة حي بأكمله. المكتري یرفض الخروج من المحل لأنھ لم یبلغ ضمن مدة ثلاثة أشھر. فمن له مسؤولیة التبلیغ بالإضافة إلى المحامي، والعون القضائي، أولیس المحكمة مسؤولة في ھذا الأمر، لضمان الحقوق والوجبات بین الناس.
ھذه بعض الأمثلة التي تعج بھا بعض محاكم الشمال، والأكید أن الشكل إذا كان يوحي بوجود خلال (بكسر الخاء وھي جمع خلل) في النیل من مسلسل العدالة، فالمضمون يسمح بوضع فرضیة العمل المنظم الذي یروم ضرب منظومة العدالة لیس إلا.
ختام أذكر بما سبق وذكرت بھ ذات مقال على صفحات أسبوعیة الأیام ذاتھا ( أنظر عدد الخمیس 22 مارس 2018 مقال بعنوان:” الداعشیون الجدد) :
“أیھا السادة؛ أرى أنا كلنا قضاة، وأن مفھوم القاضي لا ینحصر في موظف الدولة الذي یترأس الجلسات في المحكمة، ویضطلع على محاضر الشرطة القضائیة، وخبرة الخبراء، ومعاینة الأعوان القضائیین، وتصریحات الشھود…إلخ. بل إن مفھوم القاضي یتسع لیشمل كل المتدخلین الذین سبقت الإشارة إلیھم”.

