
شهدت الجارة إسبانيا، يوم الأحد الأخير 23 يوليوز، تنظيم انتخابات عامة هي السادسة عشر من نوعها خلال العهد الديمقراطي (1978)، والخامسة في عهد الملك فيليبي السادس. ولقد عاش المشهد السياسي بإسبانيا ليلة الأحد – الاثنين (23-24 يوليوز) مخاضا سياسيا جديدا، وانحباسا للأنفاس، طيلة فترة النشر التدريجي للنتائج، بحسب نسب الأصوات المفرزة، حيث كانت حدة القلق والتوجسات ترتفع بين ممثلي ومناصري كل الأحزاب السياسية المتنافسة في هذه الانتخابات والمتابعين والمحللين السياسيين الإسبان، كلما اقترب موعد الكشف عن النتائج النهائية. وكانت النتائج المؤقتة التي يتم الإعلان عنها، بشكل مباشر، على مختلف وسائل الإعلام الإسبانية، ترسم خريطة سياسية شديدة التعقيد، أشبه ما يكون بالمتاهة، وتنذر بوضع سياسي صعب خلال القادم من الأسابيع؛ نظرا، من جهة، لفشل الحزبين العريقين (الحزب الاشتراكي و الحزب الشعبي) في الوصول إلى الأغلبية المطلقة (176 مقعد)، إضافة إلى استحالة تحقيق ذلك، حتى في حالة حصول تحالفات بين مختلف التكتلات السياسية المتقاربة إيديولوجيا (الحزب الشعبي – فوكس / الحزب الاشتراكي – حركة سومار).
ويعتبر تيار اليسار الإسباني، بزعامة حزب PSOE، أكبر رابح خلال هذه الانتخابات بعد حصده لنسبة 40٪ من الأصوات، رغم تصدر الحزب الشعبي اليميني للنتائج ب136 مقعدا، محرزا 47 مقعدا إضافيا مقارنة بنتائج انتخابات 2019، وحصول التيار اليميني على 45,4 ٪ من نسبة الأصوات المعبر عنها. فرغم هذا التقدم العددي، فإن اليمين الإسباني يوجد في وضع لا يحسد عليه ويسود استياء عميق بين أنصاره بسبب استحالة تمكنه من تشكيل ائتلاف حكومي، في ظل تشتث المقاعد البرلمانية بين قوة سياسية كلاسيكية وأخرى صاعدة وأحزاب جهوية، كانت قد أعلنت صراحة عن عدم استعدادها لدعم أي ائتلاف حكومي يضم حزب VOX اليميني المتطرف.
أما أهم شيء ميز هذه الانتخابات، في اعتقادنا، فهو كون نتائجها النهائية كذبت كل التكهنات التي جسدتها مؤشرات استطلاعات الرأي المسبقة، والتي كانت تنذر باندحار تام لقوى اليسار الإسباني، مقابل منح أغلبية مطلقة لحزبي PP و VOX اليمينيان، مما كان يضعنا أمام حكومة يمينية تحكم في إسبانيا خلال الاربع سنوات القادمة. وكان هذا المعطى مصدر قلق بالمغرب على اعتبار أن تجارب علاقات البلدين في ظل تواجد حكومة يمينية بإسبانيا لم تكن ناجحة بما يكفي، بل غالبا ما كان يكتنفها الكثير من المصاعب والاضطرابات والمناوشات، على غرار أزمة جزيرة ليلي صيف 2003، حينما كان خوسي ماريا ازنار، زعيم الحزب الشعبي حينها، يترأس الحكومة الإسبانية. والتي كان لها وقع صادم على مستقبل العلاقات المغربية – الإسبانية لم يتم تجاوز تبعاتها إلا بعد سنين طوال.
ولقد لعبت مؤشرات استطلاعات الرأي القبلية دورا مؤثرا جدا في رفع عدد مقاعد اليسار الإسباني خلال الانتخابات الأخير ( 153 مقعد) بعد أن استشعرت الكتلة الناخبة الإسبانية بسرعة حساسية الوضع في ظل مؤشرات تنامي قوة حزب VOX، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر تهدد بضرب بعض أعمدة تلاحم وتعايش الأمة الإسبانية. كما شكلت تلك المؤشرات رسالة قوية لناخبي اليسار، وحافزا مهما للتوجه إلى صناديق الاقتراع ومنح اصواتهم إما للحزب الاشتراكي العمالي، الذي يقود الحكومة الحالية، أو لحلف SUMAR المشكل من مجموعة التنظيمات السياسية اليسارية، وعلى رأسها حزبي Podemos واليسار الموحد Izquierda Unida. ولقد كانت هاته نتائج هذا الحلف مفاجئة بالنسبة لكل الملاحظين ومتابعي الشأن السياسي الإسباني، على اعتبار أن كل المؤشرات كانت تنذر بهزيمة مدوية له.
هذا وتلقى استطلاعات الرأي الانتخابية في إسبانيا تفاعلا قويا من قبل القوى السياسية الإسبانية، التي تضعها ضمن حساباتها الانتخابية، كما تحضى باهتمام واسع من قبل المواطنين الإسبان.
إن النتائج المعلن عنها تضع الأحزاب السياسية الإسبانية أمام حتمية صعبة متمثلة في تشكيل ائتلاف سياسي كبير، يجمع أطيافا سياسية متباعدة من حيث الإيديولوجيات والبرامج والتوجهات؛ وهو ما يلزم مختلف القوى السياسية بتقديم تنازلات مهمة، وتخديم الحس السليم ومنطق الدولة والمصلحة العامة من أجل الخروج من هذه المتاهة السياسية المعقدة، خاصة وأن النظام الانتخابي الإسباني الحالي لا يسمح بجولات ثانية، كما هو معمول به في أنظمة ديمقراطية أخرى، مثل فرنسا.
ومن مفرزات الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة ارتفاع أسهم الأحزاب الجهوية الباسكية والكتالونية والغاليسية من حيث ان النتائج النهائية جعلت منها ورقة حاسمة لتشكيل الائتلاف الحكومي القادم، ومن مفارقات هذا المشهد السياسي الإسباني “المبلقن”، أيضا كون بعض الاحزاب الانفصالية قد يكون لها كلمة الحسم من أجل تشكيل الحكومة القادمة، لتفادي اللجوء إلى خيار إعادة الانتخابات، والذي يظل واردا ولو بدرجة ضعيفة.
من جهة أخرى، يبدو أنه مع نهاية عهد الثنائية الحزبية بإسبانيا، وصعود نجم قوى سياسية جديدة، فإن مسألة مراجعة الدستور الإسباني لسنة 1978 والقانون الانتخابي 5/1985 صار أمرا ملحا، لتفادي سيناريوهات البلوكاج السياسي التي أصبحت تتهدد إسبانيا عقب كل انتخابات عامة. كما يجب الإشارة أيضا، إلى أن المأزق الحالي الذي يوجد عليه المشهد الحزبي الإسباني إنما هو في الخقيقة نتيجة لحيوية ودينامية الحياة السياسية بإسبانيا، وهو ما سيدفع بها، لا محالة، إلى تطوير الذات والتكيف مع المعطيات المستجدة ثم ربما التحول نحو الأفضل.

