فاس : المغرب360
في كل موسم انتخابي، تستيقظ الأحزاب التقليدية من سباتها الطويل، تُخرج من خزائنها نفس الوجوه، نفس الأسماء، ونفس الأسطوانات المشروخة، وكأن مدينة فاس عاجزة عن إنجاب كفاءات جديدة أو طاقات قادرة على حمل هموم الناس بصدق ومسؤولية.
وجوه عمر بعضها ولايات برلمانية متعددة، استهلكت الخطابات والوعود والصور التذكارية، لكنها لم تستطع أن تترك خلفها أثراً حقيقياً يليق بتاريخ العاصمة العلمية للمملكة.
الغريب أن هؤلاء يعودون إلينا في كل استحقاق انتخابي بثقة عجيبة، وكأن المواطن الفاسي بلا ذاكرة، أو كأن المدينة محكومة بعقد أبدي مع الفشل والتدوير السياسي.
يخوضون الحملات بشعارات “خدمة فاس”، “الدفاع عن الساكنة”، “الترافع عن التنمية”، ثم ما إن تنتهي الانتخابات ويجلسوا تحت قبة البرلمان حتى يبدأ فصل التبرير الكبير:
“مهمتنا هي التشريع فقط… والقضايا المحلية ليست من اختصاصنا”.
جميل… إذن لماذا تبيعون للناس أوهام التنمية المحلية أثناء الحملات؟ ولماذا تتحول الأزقة الهامشية والأحياء المنسية إلى قبلة انتخابية مؤقتة كل خمس سنوات؟ ولماذا توزع الابتسامات والوعود كما توزع المناشير؟
الحقيقة المؤلمة أن بعض البرلمانيين حولوا السياسة إلى مهنة مريحة، لا مشروع خدمة عامة.
يظهرون وقت الانتخابات، يختفون بعد الفوز، ثم يعودون محملين بنفس اللغة الخشبية، وكأن فاس لا تستحق سوى إعادة تدوير العجز.
مدينة بحجم فاس، بتاريخها، بثقلها الحضاري، بجامعتها، بعلمائها، بفنانيها، برياضييها، وبشبابها، لا يمكن أن تبقى رهينة “أعيان انتخابيين” يعتقدون أن المقعد البرلماني إرث عائلي أو امتياز دائم.
فاس اليوم تحتاج إلى من يحمل صوتها الحقيقي داخل البرلمان، لا إلى سائح سياسي يزورها موسمياً ثم يغادر نحو صمت الرباط.
المؤلم أكثر أن بعض الأحزاب أصبحت تتعامل مع المواطن الفاسي بمنطق الإهانة السياسية: “هذا ما لدينا… خذوه أو اتركوه”.
نفس الأسماء، نفس التحالفات الرمادية، نفس الوجوه التي شاخت انتخابياً دون أن تنضج تنموياً.
فأي رسالة تريد هذه الأحزاب أن تبعثها لشباب فاس؟
أن السياسة باب مغلق؟
أن التداول مجرد شعار؟
أن الكفاءة أقل قيمة من الولاء الحزبي والمال الانتخابي؟
المغاربة تغيروا… وفاس تغيرت أيضاً.
د
لكن بعض الأحزاب ما زالت تعيش بعقلية التسعينيات، تعتقد أن الولائم والصور والوعود العابرة كافية لصناعة نائب أمة.
المدينة اليوم لا تحتاج إلى محترفي الانتخابات، بل إلى محترفي الإنصات والعمل والترافع الحقيقي.
تحتاج إلى وجوه تحمل مشروعاً، لا مجرد طموح شخصي نحو كرسي جديد وتعويضات جديدة وصور جديدة.
أما المواطن الفاسي، فقد تعب من مشاهدة نفس الفيلم الرديء في كل استحقاق… مع تغيير بسيط في الملصقات فقط.

