فاس : المغرب360
بقلم : محمد غفغوف
في عالم تذوب فيه الحدود بين العمل السياسي والجمعوي، حيث يسقط كثيرون في إغراء السلطة ومكاسبها، تبرز خديجة الحجوبي كحالة استثنائية. امرأة نذرت حياتها لخدمة الفئات الهشة، رافعةً شعار “الإنسان أولًا”، سواء من خلال جمعيتها الرائدة قافلة نور الصداقة للأعمال الاجتماعية والتنمية، أو عبر مسؤولياتها السياسية التي لم تسرقها يومًا من رسالتها النبيلة.

فخديجة الحجوبي لم تولد في برج عاجي، بل خرجت من رحم أسرة مقاومة، تشبعت بقيم النضال منذ نعومة أظافرها. فكما حمل أجدادها لواء الدفاع عن الوطن ضد المستعمر، اختارت هي أن يكون نضالها اجتماعيًا، لصيقًا بهموم الفقراء والمحتاجين، بعيدًا عن أي حسابات مصلحية أو سياسية.
ولأكثر من عقدين، ظلت الحجوبي في مقدمة الصفوف، تناضل بلا كلل عبر جمعيتها قافلة نور الصداقة للأعمال الاجتماعية والتنمية، التي أصبحت نموذجًا للعمل الميداني الهادف، ولم تكن الجمعية مجرد إطار شكلي، بل قافلة حقيقية تحمل النور لكل من أظلمت حياتهم بفعل الفقر أو الإقصاء.

فبروح نكران الذات، قادت الحجوبي برامج دعم للأسر الفقيرة، وعملت على إدماج النساء في سوق العمل عبر تأطيرهن في مجموعة من المهن والحرف، كما انخرطت في مكافحة العنف بكل أشكاله، إيمانًا منها بأن الكرامة لا تتجزأ.
ولم يكن اهتمامها مقتصرًا على المغاربة، بل مدت يد العون للمهاجرين الأفارقة، إيمانًا منها بقيم التضامن الإنساني، فجعلت من جمعيتها مأوى لمن لفظتهم الأقدار بعيدًا عن أوطانهم.

كما لم يكن ملف التشدد والتطرف بعيدًا عن اهتمام خديجة الحجوبي، فقد اختارت الخوض في هذا المجال الصعب، مفضّلة الاشتغال مع الفئات الأكثر هشاشة، أولئك الذين وجدوا أنفسهم في أوضاع معقدة نتيجة اختيارات خاطئة أو ظروف قاهرة. تعاملت معهم بروح الاحتواء، لا الإقصاء، إيمانًا منها بأن لكل شخص فرصة ثانية، وبأن المجتمع لا يمكن أن ينهض إلا باحتضان جميع أبنائه.
وعلى عكس الكثيرين ممن يجعلون العمل الجمعوي مجرد سلم للوصول إلى السياسة، ظلت الحجوبي وفيّة لرسالتها رغم توليها مسؤوليات سياسية، حيث لم تتغير مواقفها، ولم تبتعد عن الميدان، بل وجدت في السياسة وسيلة إضافية للدفاع عن قضاياها، دون أن تسقط في فخ الاستغلال أو الشعبوية، فبقيت الإنسانة التي تعرف دروب الأحياء الفقيرة أكثر من ممرات المكاتب المكيفة، والتي تفضل إنجاز مشروع تنموي على الإدلاء بتصريحات رنانة.
خديجة الحجوبي ليست مجرد فاعلة جمعوية أو سياسية، بل هي نموذج لامرأة حملت على عاتقها مسؤولية ثقيلة، دون أن تتراجع أو تنكسر. اختارت أن تكون صوت من لا صوت لهم، وأن تضيء حياة الكثيرين بنور الصداقة والتضامن في زمن تاهت فيه القيم، تبقى الحجوبي من القلائل الذين يؤمنون بأن العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى كاميرات، بل إلى قلب نابض بالإنسانية.

