بقلم : محمد غفغوف
في أزقة فاس العتيقة، حيث تمتزج عراقة التاريخ بروح النضال، يسطع اسم عبد الرحمان الغندور كواحد من القامات الفكرية والسياسية التي تركت بصمتها بوضوح في الذاكرة الجماعية، رجل متعدد الأوجه: فيلسوف، مفكر، شاعر، فنان تشكيلي، ومناضل يساري صلب، ظل وفيًا لقناعاته حتى الرمق الأخير.

فمنذ شبابه، انخرط الغندور في العمل السياسي ضمن الحركة الاتحادية الأصيلة، مؤمنًا بمبادئ اليسار الحقيقي، لا كترفٍ فكري، بل كممارسة نضالية في الميدان، لم يكن مجرد منظرٍ سياسي، بل مناضلًا دفع ثمن مواقفه، وعاش تجربة الاعتقال السياسي بصبر وثبات، ورغم كل المحن لم ينكسر ولم يساوم، بل ظل أمينًا لمبادئه، مدافعًا عن العدالة والكرامة.
لم يكن الغندور أستاذًا عاديًا، بل كان مربّيًا وصانعَ كفاءات، في فاس، تخرجت على يديه أجيال من الطلبة الذين نهلوا من فكره العميق ومنهجه التربوي الصارم والمُلهم، لم يكن ينقل المعرفة فحسب، بل كان يشعل في طلابه شرارة التفكير النقدي والالتزام بالمبادئ.

عندما دخل المجلس الجماعي لفاس، لم يكن مجرد مستشار عابر، بل كان صوتًا قويًا للحق، مدافعًا عن المدينة وسكانها في زمن السياسة النظيفة، حيث كان التدبير مسؤولية، وليس غنيمة، لم يركض وراء الامتيازات، بل ظل نزيهًا، يحمل هموم المواطنين ويجعل من السياسة أداة تغيير حقيقي.
وبعد تقاعده، لم يتقاعد فكره. بل انطلق في رحلة جديدة، متفرغًا لنشر ثقافة القراءة بين الأطفال والشباب عبر شبكة القراءة بالمغرب، إيمانًا منه بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الكتاب.

وفي مرسمه بفاس، وجد متسعًا من الوقت ليحاور الألوان كما حاور الفكر والسياسة، فكانت لوحاته تعبيرًا عن رؤيته الجمالية العميقة للعالم.
إن مدينة فاس، حزبه، نقابته، وكل الذين آمنوا بالفكر النزيه والنضال الصادق، مدعوون اليوم لرد الاعتبار لهذا الهرم، ألم يحن الوقت لإطلاق اسمه على فضاء ثقافي أو شارع أو مكتبة؟ أليس تكريمه تكريمًا لجيلٍ من المثقفين والمناضلين الذين صنعوا زمنًا جميلًا في السياسة والثقافة والفن؟
فعبد الرحمان الغندور ليس مجرد اسم، بل رمز لمرحلة، لالتزام، ولمسيرة تستحق أن تُروى للأجيال القادمة..

