فاس : محمد غفغوف
في زمنٍ صار فيه الإعلام الوطني متواطئًا مع الرداءة، حيث تُمنح الأضواء لمن يُتقنون فن “البوز” أكثر من الإبداع، ينبثق من قلب مدينة فاس، بتاريخها العريق وإرثها الثقافي المتجذر، مشروعٌ رقمي يحمل طابع التحدي والتمرّد. مجموعة من الشباب المهووسين بالفعل الثقافي والفني والتراثي قرروا أن يغيروا قواعد اللعبة، لا بالشكوى والتذمر، بل بالمبادرة والفعل.
المشروع، الذي يتمثل في إطلاق موقع إلكتروني ثقافي حداثي، لن يكون مجرد منصة إخبارية عابرة، بل مساحة حقيقية للإبداع، ومتنفسًا لكل الأصوات المهمّشة في المشهد الثقافي المغربي، خاصة تلك التي تحمل رؤية نقدية جادة وتؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل رهانًا استراتيجيًا.
مدينة فاس، التي لطالما كانت القلب النابض للعلم والفكر والثقافة في المغرب، وجدت نفسها في العقود الأخيرة خارج حسابات الإعلام الرسمي وحتى المستقل، حيث يُختزل المشهد الثقافي الوطني في بعض الأنشطة المركزية الممولة، بينما يتم إقصاء المبادرات المستقلة التي لا تنسجم مع منطق السوق أو لا تحقق نسب مشاهدة مرتفعة.
من هنا، يأتي هذا الموقع كـرد ثقافي مضاد، يهدف إلى استعادة مكانة الإبداع الحقيقي بعيدًا عن موجة التفاهة، وإعطاء الكلمة للكتاب والفنانين والمبدعين الشباب الذين لا يجدون منصة تليق بإنتاجاتهم.
ما يميز هذا الموقع ليس فقط مضمونه الجاد، ولكن أيضًا مقاربته الجديدة في التعاطي مع القضايا الثقافية، حيث سيراهن على تقديم محتوى نقدي، عميق، ومتجدد، معتمِدًا على لغة تحترم ذكاء القارئ وتستفزه كما سيحاول أن يكون فضاءً تفاعليًا يفتح النقاش حول أسئلة الثقافة والفن والهوية والمجتمع، بعيدًا عن الخطابات النخبوية المنغلقة أو الاستهلاكية المبتذلة.
في مواجهة المشهد الإعلامي الحالي، الذي يحتفي بالسطحية ويعاقب العمق، فإن هذه المبادرة تحمل في طياتها تحديًا مزدوجًا: الأول هو الصمود والاستمرارية وسط بيئة لا تدعم المشاريع الثقافية الجادة، والثاني هو إثبات أن الجمهور المغربي، وخاصة الشباب، لا يزال متعطشًا لمحتوى راقٍ يواكب الحداثة دون أن يسقط في فخ التسطيح.
إنها خطوة جريئة في زمن الركود الثقافي، ورسالة واضحة بأن فاس لم تمت، بل تُعيد اكتشاف ذاتها من خلال أبنائها الذين يرفضون أن يكونوا مجرد متفرجين على مشهدٍ ثقافي يُحتضر.

