فاس: محمد غفغوف
في زوايا مقاطعة جنان الورد، بين أزقتها وروحها العتيقة، نشأ جواد الكناوي، محامٍ وأستاذ، وفاعل مدني وسياسي، لا يفصل بين مهامه الحقوقية والتزامه النضالي. هو ابن فاس البار، وعاشقها الولهان، الذي لم يغادرها قلبًا وإن ابتعد عنها جسدًا.
منذ شبابه الأول، نهل جواد من معين مدرسة سياسية عريقة، شبّ فيها على قيم الوطنية والنضال الاجتماعي، فكان من أولئك الذين يرون في السياسة مسؤولية لا مكسبًا، وفي النضال التزامًا لا شعارًا، هناك تربى على الدفاع عن حقوق الناس، وإعلاء صوت المظلومين، مؤمنًا أن صوت الحق يجب أن يجد منابر تصدح به، وأن المحامي ليس مجرد مدافع عن موكليه، بل حاملٌ لرسالة العدالة في المجتمع.
لم يكن سهلاً على رجل مثل جواد الكناوي أن يغادر مدرسته السياسية الأولى، لكنه فعلها مضطرًا، حينما اقتضت المرحلة اختيارات جديدة، ورغم تغيّر اللون الحزبي، بقي ثابتًا على مواقفه، متمسكًا بنفس القيم التي تربى عليها، لم يبدل وفاءه لفاس وأهلها، ولا تخلى عن مبادئه الاجتماعية والإنسانية.
وفي قاعة المحكمة، حيث يكون للكلمة وزن القانون، كان جواد صوتًا للمقهورين، يرافع بحجة العدالة لا بمنطق المصالح، وفي قاعة الاجتماعات السياسية، لم يكن يخوض الصراعات الصغيرة، بل كان دائمًا منحازًا لما يخدم المواطن البسيط، إنه ذلك النموذج الذي تتقاطع فيه السياسة بالمحاماة، والنضال بالالتزام، والانتماء بالوفاء.

بالنسبة لجواد الكناوي، لم تكن فاس مجرد مدينة، بل قضية يحيا بها ولها، من جنان الورد إلى مختلف أحياء العاصمة العلمية، ظل يحمل همّها، يضعها في قلب انشغالاته، مؤمنًا أن رجالها هم من سيصنعون مستقبلها، لم يساوم على حبها، ولم يجعلها مجرد مطية للوصول، بل حملها معه أينما ارتحل، مسؤولية في عنقه، ووفاءً يسكن وجدانه.
في زمن السياسة المتقلبة، حيث يبدل البعض مواقفهم كما يبدلون ألوان قمصانهم، يظل جواد الكناوي واحدًا من القلائل الذين لم يغيروا جوهرهم، رغم تغيّر الظروف، رجلٌ يزاوج بين قوة القانون وإنسانية الفعل السياسي، بين شغف المدينة وواجب المسؤولية، وبين حب الوطن والوفاء للناس.
قد تختلف حوله الآراء، وقد لا يجمع عليه الجميع، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن اسمه سيظل جزءًا من ذاكرة فاس، تمامًا كما أن فاس ستظل تعيش في قلبه.

