فاس : محمد غفغوف
خلال شهر رمضان، حرصت المجالس المنتخبة بمقاطعات فاس على تنظيم أنشطة احتفالية متنوعة، تتراوح بين حفلات الحناء، ومسابقات تجويد القرآن، ودعم دوريات كرة القدم بالأحياء ورغم أن هذه المبادرات تبدو إيجابية من حيث إشاعة أجواء الفرح والروحانية، إلا أنها تعكس في العمق رؤية محدودة للعمل الثقافي والتنموي بالمدينة، وتهربًا واضحًا من تنظيم لقاءات فكرية وندوات علمية أو نقاشات جادة حول مستقبل فاس في أفق الاستحقاقات الوطنية والدولية التي ستشهدها.
ففاس، بتاريخها العريق وإرثها الثقافي الغني، لم تحظَ بأي نشاط ثقافي أو فكري يليق بمكانتها خلال هذا الشهر الفضيل، غياب المسرح، واللقاءات التواصلية، والندوات الفكرية يطرح أكثر من علامة استفهام حول أولويات من يسيرون الشأن المحلي، الذين يبدو أنهم يعتبرون الثقافة والوعي عبئًا، في حين أن الترفيه المناسباتي والأنشطة الشكلية هي الخيار الأسهل لضمان الحضور الشعبي دون مجهود حقيقي.
كيف يمكن لمدينة بحجم فاس، التي كانت عاصمة للعلم والفكر، أن تُختزل أنشطتها الرمضانية في دوريات كرة قدم وحفلات الحناء، بينما تترك النقاش حول قضاياها المصيرية مغيبًا؟ لماذا لا تُستثمر هذه المناسبة لتنظيم لقاءات حول تحديات التنمية، ومشاريع البنية التحتية، ومكانة المدينة في المشهد الاقتصادي والسياحي الوطني والدولي؟
من المؤسف أن من يسيرون الشأن المحلي لا يولون أي اهتمام لإنتاج النخب الفكرية والثقافية، بل إنهم يفضلون الإبقاء على الوضع كما هو، بعيدًا عن أي نقاش جاد أو مساءلة حقيقية، فبدل استثمار شهر رمضان في تكوين الشباب، وصقل المواهب، وتنظيم ندوات حول التراث والفكر والسياسات التنموية، يتم اللجوء إلى أنشطة استهلاكية لا تترك أثرًا طويل الأمد.
إن التهرب من تنظيم فعاليات ثقافية وفكرية هو انعكاس لسياسة عامة تقوم على تهميش الكفاءات، وقطع الطريق أمام أي نقاش قد يحرج المسؤولين أو يسلط الضوء على فشل التدبير المحلي، وهو ما يجعل فاس مدينة تعيش على مجدها القديم، دون أي جهد جاد لإعادة إحيائه بما يواكب العصر.
والحديث عن إعادة الاعتبار لفاس ليس رفاهية، بل ضرورة ملحة، مدينة بحجمها وتاريخها لا يمكن أن تُترك رهينة لسياسات سطحية لا ترى في الثقافة والفكر سوى تهديد، بدل أن يكونا رافعة أساسية للتنمية.

فالمطلوب اليوم هو إرادة سياسية حقيقية لإعادة فاس إلى موقعها الطبيعي، كمدينة للعلم والفكر والإبداع، لا مجرد ساحة للأنشطة المناسباتية العابرة.
رمضان فرصة لاستنهاض الهمم، فهل يملك المسؤولون الشجاعة للقيام بذلك، أم أن سياسة الهروب إلى الأمام ستظل هي العنوان العريض لتدبيرهم؟

