فاس : المغرب 360
في مدينةٍ كانت تُعرف بروح التضامن والتكافل، أصبح المواطن الفاسي اليوم يجرّ خلفه همَّ الغلاء كما يجرّ ظله في عزّ الصيف. ومع اقتراب عيد الأضحى، تحوّلت فرحة الأسر إلى قلقٍ يومي، وأصبحت أسواق المواشي فضاءات مفتوحة لجشع الشناقة والوسطاء، في غياب مراقبة حقيقية وصارمة تضع حدًّا لهذا النزيف الاجتماعي الخطير.
لم يعد الحديث عن ارتفاع الأسعار مجرد تذمر عابر في المقاهي والأحياء الشعبية، بل صار وجعًا جماعيًا يسكن البيوت المتعبة، خاصة لدى الطبقة الفقيرة والمتوسطة التي وجدت نفسها عاجزة عن مجاراة أسعار خيالية لا تراعي القدرة الشرائية ولا الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه آلاف الأسر المغربية.
في فاس، المواطن البسيط لم يعد يسأل عن جودة الأضحية أو سلالتها، بل صار يبحث فقط عن ثمن يمكن احتماله دون أن يضطر للاستدانة أو التضحية بمصاريف الكراء والدراسة والدواء. لكن الواقع في الأسواق يكشف حجم الفوضى والاحتكار، حيث تحولت الأضاحي إلى سلعة للمضاربة والمزايدات، يتحكم فيها سماسرة ووسطاء راكموا الأرباح على حساب معاناة الناس وآهات الآباء والأمهات.

الأخطر من كل ذلك، أن هذا الغلاء لا يبدو طبيعيًا أو مبررًا بالكامل، بل تغذيه شبكات من الشناقة الذين يرفعون الأسعار بشكل عشوائي، مستغلين ضعف المراقبة وغياب تدخلات ميدانية صارمة تحمي المستهلك المغربي من هذا الجشع المتوحش. فكيف يُعقل أن يصل ثمن خروف بسيط إلى أرقام تتجاوز قدرة موظف أو عامل قضى شهورًا في محاولة الادخار من أجل هذه المناسبة الدينية؟
إن ما يحدث اليوم ليس فقط أزمة أسعار، بل أزمة ضمير ومسؤولية. فحين يصبح العيد مصدر خوف بدل أن يكون مناسبة للفرح، وحين تشعر الأسر بالعجز والإهانة أمام أبنائها، فإن الأمر يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى عمق الإحساس بالكرامة الاجتماعية.
السلطات الحكومية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالخروج من دائرة المتابعة الصامتة إلى التدخل الحازم، عبر مراقبة الأسواق، وضبط سلاسل التوزيع، ومحاربة الوسطاء الذين حولوا العيد إلى موسم للاغتناء السريع. كما أن حماية القدرة الشرائية للمواطن لم تعد شعارًا سياسيا يُرفع في المناسبات، بل مسؤولية وطنية عاجلة تستوجب قرارات شجاعة قبل أن يتحول الاحتقان الاجتماعي إلى غضبٍ مفتوح في الشارع.
فاس لا تحتاج إلى خطابات مطمئنة بقدر ما تحتاج إلى أفعال حقيقية تعيد للمواطن ثقته، وتعيد للعيد معناه الإنساني والديني بعيدًا عن جشع السماسرة وعبث الأسواق.

