بقلم : الدكتور احمد درداري
ان الصراع العسكري العالمي الجديد يمتحن اليوم كل ما وصلت اليه المختبرات البحثية العسكرية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وهو يرتبط بسياق ونتائج الحروب التارخية المتتالية كالحرب الصليبية والحربين العالميتين و الحرب الباردة ثم الحرب على الإرهاب.
و من جهة أخرى، هناك من يرى أن الحرب الجديدة هي أضخم من الخربين العالميتين الاولى والثانية من ناحية النطاق والأثر نظرًا لتطوير واستخدام الأسلحة النووية مع نهاية الحرب العالمية الثانية وما تلاها من تعميق للأبحاث العسكرية للحصول على السلاح الفتاك والقنابل النووية وغيرها من قبل العديد من البلدان، خصوصا بعد درس الخطر المحتمل للمحرقة النووية التي إذا حدثت ستخلف دمارًا عالميًا وفتكا بشعا بسكان الأرض، مما يجعل الصراع على أشده ويفوق التكهنات حول آثار الحرب العالمية الثالثة.
ان تنامي القلق حول امكانية شن حرب نووية أو حرب بيولوجية من شأنها أن تسبب الكثير من الخسائر. وقد تحدث بشكل متعمد من خلال استهداف مخازن الرؤوس النووية أو بخروج قواعد الحرب عن السيطرة، مثل الإطلاق العرضي لعامل بيولوجي كتسريب مكونات بيولوجية او نووية وتفاعلها مع المكونات الأخرى بعد استخدامها، كاستخدام التكنولوجيا المتقدمة المسعفة على الدمار الشامل وجعل الأرض غير صالحة للحياة. ذلك أنه منذ انتشار تكنولوجيا الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفيتي في فترة الحرب الباردة، اصبح من الممكن نشوب صراع عالمي بقوة عسكرية أكثر فتكا، واصبحت فكرة اندلاع حرب عالمية ثالثة متوقعة وممكنة بناء على معادلات الصراع السياسية والاقتصادية والدينية التي تحددها رؤية السلطات العسكرية والمدنية في العديد من البلدان. وطرح سيناريو الانتقال من الحرب التقليدية إلى الحرب النووية المحدودة أو الشاملة كأمر وارد.
هذا وترتبط الحروب المعاصرة بالعبودية الاقتصادية التي تدور معتقداتها حول من يمتلك الاقتصاد اكثر يعبده بقية البشر، ومن أراد فرض عبوديته الاقتصادية عليه ان يظهر قدرته على الهيمنة والعقاب بوسائل تتماشى مع قانون أوامر ونواهي العبودية الاقتصادية لكونها الأقرب الى ميول البشر المادية، ولإظهار ذلك كله يبقى السلاح الفتاك هو الحل في حالة الخروج عن الولاء للمعبود الاقتصادي.
هذا وتتعرض العبودية الاقتصادية إلى الرفض و الإزاحة من قبل رافضي العبودية المادية لكونها تتعارض مع مرجعيات العبادة المتكاملة والمتوازنة من قبل من يتنافسون حول من يحكم شعوب الارض، و الغاية من الحكم، ومكان تمركز سلطة الحكم، وعلاقته بالمرجعيات الدينية العمودية، قياسا إلى صلاح او فساد حياة الانسان.
وبالعودة إلى أطروحته صامويل هنتنجتون حول صراع الحضارات، لما بعد الحرب الباردة لن تكون حسب زعمه بين الدول القومية لعوامل سياسية أو اقتصادية أو إيديولوجية، بل توقع أن تظهر مواجهات حضارية لأسباب دينية وثقافية. وقد حذر في بحث له بعنوان “مقاربات نحو سياسة بعيدة عن الضغوط” أنجزه عام 1973 من مخاطر التحول السياسي السريع للحكومات الجديدة نحو الليبرالية، مقترحا تمديد الفترة الانتقالية لتلك الحكومات نحو الديمقراطية الكاملة.كما قام بتحليل للعلاقة بين العسكر والحكومة المدنية، وأنجز بحوثا بشأن الانقلابات العسكرية التي تشهدها بعض الدول، كما حلل التنمية السياسية والاقتصادية في العالم الثالث، والمخاطر التي تشكلها الهجرة المعاصرة على الولايات المتحدة. بينما راهن على الواقع، و أهمية ووزن الثقافة في الحياة السياسية خصوصا في موضوع الهوية، حيث يعتقد أن المستعمرين الأوائل في أميركا هم من وضعوا أسس المجتمع الأميركي بالارتكاز على مبادئهم وثقافتهم الإنجليزية البروتستانتية التي قامت عليها أميركا. إلا انه تعرض للاتهام بالعنصرية والكراهية للأجانب بسبب قوله إن الولايات المتحدة هي الأمة الوحيدة ذات الثقافة الأنجلوسكسونية والبروتستانتية، وأن نظرية صراع الحضارات “أساسها هو شرعنة عدوان الغرب بقيادة الولايات المتحدة على الصين والعالم الإسلامي.
ان العبودية الاقتصادية التي نسجت تحت يافطة الديمقراطية الغربية و التي سخرت كل المغريات المادية و السياسية والحرية الفردية، لجعل المال الاه يعبد في الارض دون اي اعتبار لعبادة السماء، وما يتبع ذلك من تخليص الإنسان من قيم أخلاقية ودينية واجتماعية، كل ذلك جعل في الواقع ان الدين والثقافة والمعتقدات المختلفة و المتعارضة مع العبودية الاقتصادية هي محور الصراع الحقيقي لحسم العبودية الاقتصادية الغربية لاسيما القضاء على الدين الاسلامي و الكونفوشيوسية باعتبارهما يهددان الحضارة الغربية ويمثلان مرجعيتين ثقافيتين متقاربتين ومتعارضتين مع العبودية الاقتصادية الغربية القائمة على أمركة العالم حسب ما أقر به المفكرين الغربيين.
ان الحروب التي تحاكي الواقع الدولي اليوم تتجه نحو البحث عن توازن مفقود وقد تكون العملية عكسية و معها استعادة ما ضاع من جاذبية السماء و العدالة في الارض، خصوصا وان مركزية العبادة توجد في الشرق الأوسط وخيوطها توجد في بقية المناطق، وان البحث عن شرق اوسط جديد قد يعيد شكل الشرق الأوسط القديم المفقود، وذلك في حلة الخلافة الإسلامية المنسجمة مع الثقافة الكونفوشيوسية الجامعة والشاملة والقاطعة مع التقسيم بناء على الهويات التاريخية والسياسية التي تخدم العبودية الاقتصادية.
ان الحرب المشتعلة في مناطق مختلفة من العالم و غير البعيدة عن الدول الغربية من حيث المسافة سواء الحرب الروسية الاوكرانية او الحرب الاسرائيلية الفلسطينية او الحرب الاسرائيلية الإيرانية او الحرب الباكستانية الهندية … وغيرها من الحروب المحتملة سببها هو عدم وجود حاكم يحسم الخلافات الدولية، وبات معه العالم في حالة فوضى قد يدفع الوضع لنقطة اللاعودة والخروج عن السيطرة، مما سيتم الاحتكام معه إلى قوة السلاح وما تتطلبه الرغبة في الانتصار بالبحث عن التحالفات العسكرية قياسا على منطق العداء والصراع ومعه سيتم اعادة تشكيل العالم من جديد مبني على تحالف هويات ومعتقدات واقتصادات متعايشة.
وبالنظر إلى ما يحدث اليوم من ضربات عسكرية استباقية، يدفع إلى السؤال كيف سيؤول الوضع بعد الاستخدام المفرط للسلاح وماذا لو دخل السلاح النووي حيز التنفيذ؟ وهل سيبقى للحياة معنى بعد الدمار الشامل؟
الدكتور احمد درداري
رئيس المركز الدولي لرصد الازمات واستشراف السياسات .

