فاس : محمد غفغوف
في لحظة مفصلية من عمر المنظومة التربوية بجهة فاس مكناس، سطّرت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين إنجازًا يُحسب لها في سجل التحولات الجارية، بعدما سجلت نسبة نجاح بلغت 81.86% في امتحانات الباكالوريا لدورتي 2025 العادية والاستدراكية، وهو رقم لا يعكس فقط ارتفاعًا في المعدلات، بل يشير إلى تصاعد منسوب الجدية، وانتقال الجهة من منطق التسيير الروتيني إلى دينامية الفعل التربوي المنتج.
فقد احتلت الجهة الرتبة السابعة على المستوى الوطني، وهو ترتيب يؤشر على تغيير الوتيرة، وعودة الأكاديمية إلى واجهة التميز بعد سنوات من التراجع النسبي.
وراء هذه النسبة يقف رقم دالّ: 42,310 تلميذًا وتلميذة تجاوزوا حاجز الامتحان بنجاح، منهم 5,356 مترشحًا حرًا، ما يعكس رؤية منفتحة لا تُقصي أحدًا من قطار التعليم، ولا تميّز بين الرسمي والحر في حق النجاح، والأجمل أن الإناث تقدمن الركب بنسبة 56.45% من مجموع الناجحين المتمدرسين، وكأن المدرسة العمومية تُعلن، من موقع فاس مكناس، أن رهان التنمية يبدأ من تمكين الفتاة، وأن المرأة، كما في المجتمع، شريكة في التميز الدراسي أيضًا.
توزيع النجاح على الشعب والتخصصات يحمل دلالات لا تقل أهمية؛ فالشعب الأدبية والأصيلة حطّمت السقف بنسبة نجاح بلغت 92.79%، متبوعة بالشعب العلمية والتقنية بـ78.68%، ثم الباكالوريا المهنية بنسبة 86%، فالمسالك الدولية بـ81.09%، ما يؤكد أن كل مسار تربوي صار يملك اليوم حظوظًا حقيقية للنجاح، وأن التنويع البيداغوجي لم يعد ترفًا، بل أصبح واقعًا ينتج نتائج.
اللافت في هذا الاستحقاق، وربما الأكثر تأثيرًا، هو نجاح 172 مترشحًا من ذوي الاحتياجات الخاصة بنسبة 73.1%، في رسالة قوية بأن تكافؤ الفرص ليس مجرد بند في وثيقة أو شعار على جدران الأقسام، بل ممارسة يومية تترجمها إرادة مؤسسية تراهن على الإنسان كيفما كان. ولأن النجاح لا يُقاس فقط بالعبور، بل بجودته، فقد حصل 16,003 ناجحًا على ميزة، منهم 1,903 بميزة “حسن جدًا”، و4,167 بميزة “حسن”، و9,933 بميزة “مستحسن”، وهو ما يعني أن الأكاديمية لم تكتف بتوسيع قاعدة النجاح، بل وضعت الجودة على رأس الأولويات.

هذا التحول النوعي في المؤشرات التربوية ما كان له أن يتحقق لولا القيادة الحازمة والانفتاح الذكي الذي ميّز مرحلة السيد فؤاد الرواضي، مدير الأكاديمية، الذي أعاد للأكاديمية نبضها، وقطع مع زمن التسيير البارد والمناسباتي، بحضوره اليومي، وتواصله الهادئ والمستمر مع مختلف المكونات، وفتحه لباب الأكاديمية أمام الجميع، صنع الرجل فرقًا واضحًا، وحرّك المياه الراكدة، ومنح للفعل التربوي وزنًا ميدانيًا افتقدناه طويلًا.
لكن النجاح لا يُبنى بفرد، بل بصيغة الجمع، ولذلك فإن تحية التقدير والاعتراف يجب أن تشمل كل الأطقم التربوية والإدارية، وأطر المراقبة والتقويم، وموظفي المديريات الإقليمية، وكل الشركاء المؤسساتيين من سلطات محلية وأمن وطني ودرك وقوات مساعدة ووقاية مدنية، وصولًا إلى جمعيات الآباء، ووسائل الإعلام التي ساهمت في مواكبة وإنجاح هذا الاستحقاق.
اليوم، تثبت جهة فاس مكناس أنها ليست فقط خزانًا معرفيًا وتاريخيًا، بل أيضًا رافعة تربوية يُمكن أن تُعطي المثال لباقي الجهات، ومع نهاية هذا الموسم الدراسي، يمكن القول إن الأكاديمية الجهوية بفاس مكناس لم تُنجح التلاميذ فقط، بل أعادت إلى المدرسة العمومية بعضًا من ثقتها في ذاتها، وأعطت إشارة قوية أن الإصلاح ممكن، عندما يقوده الميدان لا الخطابات، ويصنعه الانخراط لا القرارات الفوقية.

