بقلم : محمد غفغوف
ذات يوم، كنا نحلم أن نكبر في فاس، أن نُزهر في أزقتها، أن نصنع من حبنا لها مشروع حياة، ومن أحلامنا معها طريقًا إلى النور.
لكن شيئًا فشيئًا، بدأت المدينة تُغلق أبوابها في وجوهنا، وتدفعنا دفعًا نحو الحافة… لا لأننا لم نُحبها بما يكفي، بل لأننا لم نتقن فنّ الانبطاح، ولم نُجيد لعبة التزلف، ولم نُبارك فساد المتحكمين في رقاب الناس.
فاس اليوم، لم تعد عاصمة للعلم، بل عاصمة للخذلان.
الطموح فيها جريمة، والاستقلالية تهمة، والكرامة ترف لا يملكه سوى من باعوا ضمائرهم لحفنة أصوات أو جهة مشبوهة.
مواهبها تُهاجر، وشبابها يُدفنون وهم أحياء، والكفاءات تُقصى بلا رحمة.
ومن يرفض الاصطفاف في طوابير الريع، يجد نفسه خارج كل الحسابات، مهما كانت كفاءته، مهما كان عطاؤه.
إنها الحقيقة التي يصعب الاعتراف بها، لكنها الحقيقة:
فاس تخون أبناءها الأوفياء، وتكافئ الطارئين والانتهازيين.
واليوم، بعد سنوات من التردد، والإصرار، والمقاومة، أقولها بكل ألم:
لقد أضعنا وقتًا ثمينًا في الرهان على مدينة لا تُنصف أبناءها.
فاس ما بقاتش هي فاس، وباختصار ما بقاش معامن.
وغدًا، حين نغادرها، لن يكون ذلك كرهًا، بل حبًا لنفوسنا التي لم تعد تقوى على مزيد من القهر، ولكرامتنا التي ما زالت – رغم كل شيء – ترفض أن تُباع في سوق المناصب والولاءات.
حان وقت الرحيل…
لكن القلب سيظل مكسورًا، لأن الخذلان حين يأتي من المدن التي أحببناها، يكون أقسى من أي خيانة أخرى.

