بقلم: محمد غفغوف
استقالة السيدة كوثر العمالي من مجلس جماعة العرائش ليست مجرد ردّ فعل غاضب على مشروع تعثّر أو ورش أُسيء تدبيره، بل هي صرخة ضمير في وجه واقع سياسي محلي أصبح فيه الصمت قاعدة، والتواطؤ أسلوبًا، والجلوس فوق الكرسي غاية في حد ذاته.
حين أعلنت العمالي، في لقاء رسمي حضره عامل الإقليم ورئيس الجماعة والمنتخبون وفعاليات المجتمع المدني، عن استقالتها الصريحة والمباشرة، لم تكن تبحث عن “البوز”، ولم تحاول دغدغة العواطف، كانت فقط تؤدي واجبها الأخير في تمثيل من اختاروها، بإعلان الفشل الجماعي والانحراف عن تطلعات الساكنة، ثم بوضع نقطة نهاية لمهمة فقدت معناها.
إنها لحظة سياسية نادرة في الزمن الجماعي المغربي، حيث تَستقيل مستشارة لأنها لم تعد تجد نفسها وسط قرارات تشوّه المدينة وتطمس هويتها، وتُعلن أمام الجميع أنها لم تعد تملك الجرأة للنظر في أعين من منحوها الثقة.
لكن المشهد يُصبح أكثر مرارة حين نُقارن هذه الشجاعة بما يجري في مدن أخرى، وعلى رأسها فاس، المدينة التي تحمل من الرمزية والرصيد التاريخي والثقافي ما يجعل أي منتخب فيها مسؤولًا أمام التاريخ، قبل أن يكون مسؤولًا أمام الساكنة.
– فماذا فعل منتخبو فاس في ظل التراجع المريع الذي تعرفه المدينة؟
– أين هي استقالة واحدة من عضو شعر بالخجل؟
– أين هو موقف صادق من نائب يرى مدينته تغرق في الفوضى العمرانية، في البؤس التنموي، في الرداءة؟
الجواب: لا شيء، صمتٌ مطبق، ورضى مرضيّ عن الذات، وتشبث محموم بكراسي فقدت كل معنى.
بل الأكثر من ذلك، أن بعض من يدّعون المعارضة في فاس لا يختلفون عن مَن يدبّرون الشأن المحلي، فهم يأتون إلى الدورات من أجل “التبوريد”، يتبارزون في الخطب الحماسية أمام الكاميرات، ويخرجون ليقدّموا تصريحات صحفية هدفها الوحيد هو “البوز” واصطياد الإعجابات.
إن ما يحدث في فاس اليوم هو خيانة جماعية للثقة الشعبية.
المنتخب الذي لا يرفع صوته حين يُظلم المواطن، ولا ينسحب حين يُطمس وجه المدينة، هو مجرد متواطئ صامت، أو منافق يحتمي بقناع معارض لا يجرؤ على إزعاج من بيدهم القرار.
استقالة كوثر العمالي ليست حدثًا محليًا في العرائش، بل هي جرس إنذار وطني.
هي دعوة مفتوحة لكل من لا يزال يملك شيئًا من الشرف السياسي ليتأمل:
هل وجوده داخل المجلس الجماعي مفيد؟
هل يستحق المقعد الذي يشغله؟
أم أن الوقت قد حان ليفعل مثل العمالي، ويرحل بشرف، قبل أن يُرمى خارج اللعبة، في صمت، وبلا أثر؟

