إسبانيا : الشريف محمد رشدي الوداري

أثار قرار حكومة مدريد بإلغاء برنامج تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية لأبناء الجالية المغربية المقيمة بإسبانيا جدلًا واسعًا في الأوساط التربوية والثقافية، حيث اعتبره كثيرون أكثر من مجرد تعديل إداري، بل خطوة تحمل أبعادًا أعمق ترتبط بقضايا الهوية والاندماج والاعتراف الثقافي في الفضاء الأوروبي.
البرنامج الملغى، الذي استمر لأكثر من ثلاثين سنة، كان ثمرة اتفاق ثقافي بين المغرب وإسبانيا، يهدف إلى تمكين الأطفال من أصول مغربية من الحفاظ على لغتهم الأصلية والتواصل مع ثقافتهم الأم، في إطار يوازي بين الحفاظ على الجذور وتحقيق اندماج سليم داخل المجتمع الإسباني.
وبرّرت السلطات التربوية في مدريد قرار الإلغاء بما وصفته بـ”غياب الضمانات الكافية” في البرنامج، دون تقديم بدائل واضحة تضمن استمرار الرابط الثقافي واللغوي لأبناء الجالية المغربية. هذا التبرير أثار تساؤلات حول الدوافع الحقيقية خلف القرار، حيث يرى مراقبون أن المسألة تتجاوز اعتبارات تنظيمية أو لوجستيكية، لتلامس تخوفًا أعمق من استمرار حضور اللغة والثقافة العربية داخل المؤسسات التعليمية الأوروبية.
ويخشى عدد من المتابعين أن يتحوّل هذا القرار إلى سابقة قد تُستخدم لتبرير خطوات مشابهة في دول أوروبية أخرى، ما قد يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الإقصاء الثقافي، بدلًا من استثمار هذا النوع من البرامج في بناء جسور التواصل الثقافي وتعزيز التعددية داخل المجتمعات المضيفة.
وفي ظل غياب بدائل تعليمية ثنائية اللغة أو مقاربات تربوية مشتركة بين البلدان الأصلية ودول الاستقبال، يُطرح سؤال جوهري: هل المسألة تتعلق فعلاً بكفاءة البرنامج، أم أنها تعكس توجهًا أوسع نحو تهميش مكونات ثقافية بعينها داخل المنظومة التعليمية؟
الرهان اليوم، كما يرى مهتمون، لا ينبغي أن يكون على الإلغاء، بل على إعادة الهيكلة والتأطير المشترك، بما يُسهم في تعزيز قيم العيش المشترك واحترام الخصوصيات الثقافية داخل الفضاء الأوروبي، دون المساس بحقوق الجاليات في الحفاظ على هويتها الأصلية.

