فاس : محمد غفغوف
في مشهد لا يليق بمدينة بحجم وتاريخ فاس، تحوّلت أشغال الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة فاس، المنعقدة صباح اليوم الإثنين 4 غشت 2025، إلى عرض عبثي محبط، بعدما خلت القاعة شبه كليًّا من الأعضاء الذين يُفترض أنهم منتخبون لتحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي.
جلسة تأخرت لأكثر من ساعة بسبب غياب النصاب القانوني، في سابقة تُسائل ليس فقط جدية المنتخبين، بل أيضًا احترامهم لمؤسسة المجلس وتعاقدهم مع الساكنة، المثير والمُفجع أن الغائب الأكبر لم تكن المعارضة، كما قد يتوقع البعض، بل الأغلبية نفسها، الأغلبية التي يفترض أنها تسير المجلس وتتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية في اتخاذ القرار ومناقشة الملفات الاستعجالية التي تهم مصالح المواطنين.
صور القاعة التي بثّتها الصفحة الرسمية لجماعة فاس تكشف حالة صادمة: مقاعد حمراء خالية، هدوء مطبق، وكأننا أمام مجلس شبح لا مجلس منتخب، الأمر لا يتعلق بغياب فردي معزول، بل بمظهر عام يعكس استخفافًا صارخًا بالمسؤولية، واحتقارًا واضحًا لثقة الناخبين، وعجزًا بنيويًا عن احترام الحد الأدنى من الالتزام المؤسساتي.
الدورة لم تُبرمج من أجل الترف أو المجاملة، بل لمناقشة قضايا حيوية تمس حياة المواطن اليومية: النقل، النظافة، التهيئة، وتدبير المرافق الحيوية، كيف يمكن لأغلبية منتخبة أن تتغيب بهذا الشكل عن لحظة سياسية مفصلية؟ وهل تدار مدينة بحجم فاس بهذا المستوى من الغياب الذهني والفعلي؟ ما حدث اليوم ليس مجرد تعثر إداري، بل سقوط أخلاقي وسياسي ينذر بتصدّع عميق في الثقة بين المجلس وساكنة المدينة.

في مقابل هذا العبث، كان موقف المعارضة لافتًا ومشرفًا، فبكل مسؤولية، حضرت بأعضائها، وأسهمت في بلوغ النصاب القانوني، ليس فقط لإنقاذ الجلسة من السقوط، بل لإنقاذ ما تبقى من صورة المجلس أمام الرأي العام، قد لا تملك المعارضة الأغلبية، لكنها اليوم امتلكت الموقف، والمبادرة، وأكدت أن السياسة الحقيقية تبدأ من احترام المؤسسات وضمير الناخب.
إن ما جرى في دورة اليوم لا يمكن أن يمر مرور الكرام، لأنه يكشف خللًا بنيويًا في منطق التدبير المحلي، ويطرح سؤالًا كبيرًا عن أهلية بعض الفاعلين السياسيين في تحمل المسؤولية، فإما أن تستفيق الأغلبية من سباتها السياسي وتعيد ترتيب أولوياتها، أو تفسح المجال لمن يؤمن فعلًا بأن فاس تستحق الأفضل.
مدينة بتاريخ فاس لا يمكن أن تُدار بعقلية الغياب واللامبالاة، لقد سئم المواطنون من التبريرات، ويطالبون اليوم بالنتائج والقرارات، لا بالفراغ والصور الفارغة، إن إعادة الاعتبار للمجالس المنتخبة يمر عبر احترام اللحظة، واحترام الساكنة، واحترام القسم السياسي الذي قطعه كل من جلس على كرسي تمثيل هذه المدينة العريقة.

