فاس : محمد غفغوف
تُجمع الذاكرة السياسية لمدينة فاس على أن حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية شكّلا، لعقود، ركيزتين أساسيتين في تدبير الشأن المحلي للعاصمة العلمية. فبرغم ضعف الإمكانيات وانعدام الموارد في مراحل تاريخية حساسة، كان للحزبين حضور وازن، ورجال سياسة بصموا بتجربتهم على مسار التسيير، وأضفوا عليه طابع الجدية والمسؤولية.
لكن هذا المسار بدأ يتراجع تدريجيًا مع التحولات التي شهدتها المدينة، وخاصة في المرحلة التي برز خلالها الاستقلالي حميد شباط إلى الواجهة، وهي مرحلة سنعود إليها لاحقًا بما لها وما عليها.
اليوم، المواطن الفاسي يتساءل بإلحاح: ما هو الدور الحقيقي للحزبين العتيدين داخل الأغلبية الحالية التي تُدبّر شؤون فاس؟ الأغلبية التي يعتبرها كثيرون هشة، وتحمّلها ساكنة المدينة مسؤولية التراجع الواضح في الخدمات، البنيات التحتية، والوجه الحضاري للعاصمة العلمية.
فماذا قدّم منتخبو حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي لفاس وساكنتها خلال هذه التجربة؟ ولماذا يلتزم قادة الحزبين الصمت، ويتفادون تقديم حصيلة واضحة لأدائهم؟ بل إن بعض الأصوات داخل المدينة تذهب أبعد من ذلك، لتشكك في شرعية بعض المنتخبين، متسائلة إن كانوا فعلًا مناضلين حقيقيين يحملون روح الحزبين الوطنيين، أم مجرد أسماء أُسقطت عنوة على لائحة الحزبين في سياق انتخابي ضيق.
إن الأزمة التي يعيشها الحزبان بفاس اليوم ليست مجرد أزمة تدبير محلي، بل أزمة هوية سياسية وتواصل مع المواطنين. فمناضلو الاستقلال والاتحاد الاشتراكي يُدركون أن هذين الحزبين كانا تاريخيًا بمثابة مدارس في الوطنية والنضال، فكيف يُقبل أن يتحول حضورهما داخل الأغلبية إلى مجرد مقاعد بلا أثر ملموس؟
على الحزبين إعادة ترتيب أوراقهما، واستعادة بريقهما التاريخي، ليس فقط حفاظًا على رصيدهما الوطني، بل أيضًا استجابة لانتظارات ساكنة فاس التي ضاقت ذرعًا بتجارب التدبير الفاشلة. ففاس تحتاج اليوم إلى من يملك رؤية واضحة، ونَفَسًا إصلاحيًا حقيقيًا، وليس إلى من يكتفي بتمثيل شكلي داخل المجالس المنتخبة.
وستكون لنا لاحقًا وقفة تحليلية خاصة مع تجربة حزب الاستقلال في البرلمان خلال هذه الولاية التشريعية، من خلال أداء البرلمانيين علال العمراوي وعبد المجيد الفاسي، لمعرفة ما إذا كانت الأصوات التي منحت لهما ثقتها قد جنت ثمار هذا الاختيار.

