بقلم : محمد غفغوف
ما جرى في الأيام الاحتجاجية الأخيرة ليس سوى صورة مكشوفة لعطب عميق يعيشه هذا الوطن الغالي على قلوبنا، شباب يخرجون بصدق حاملين شعارات الصحة والتعليم والكرامة ومحاربة الفساد، لكن في غياب التأطير والتجربة، انزلق بعضهم إلى سلوكات تخريبية، أو وجد المخربون فرصة ليتسللوا بينهم، نعم من قام بعمليات التكسير والحرق يتحمل وزر ما فعل، لكن الحقيقة المُرّة أن المسؤولية الحقيقية أبعد وأخطر.
الأحزاب السياسية قتلت معنى السياسة، صارت مجرد دكاكين انتخابية لا تهمها سوى المقاعد والغنائم، شبيباتها ليست مدارس للتربية على المواطنة بل جوقات للتصفيق و”حياحة” للزعماء، تتحرك وقت الحملات الانتخابية ثم تعود إلى سباتها، أي تأطير ننتظر من تنظيمات وُلدت مشوّهة، همّها تسويق الزعيم لا بناء جيل واعٍ؟
المجتمع المدني بدوره لم يعد مدنيًا ولا مجتمعًا، كثير من الجمعيات اليوم تحولت إلى مقاولات صغيرة للريع: تهافت على المنح، شراكات مشبوهة، واتفاقيات لا يعرف المواطن منها غير الشعارات، بدل أن يكون فضاءً للوعي والمرافعة، صار عند بعضهم وسيلة للارتزاق ووجاهة اجتماعية.
أما المدرسة، فحدّث ولا حرج، مدرسة بلا روح، بلا قيم، بلا قدرة على صناعة المواطن، لم تعد تربي ولا تعلّم، بل تكتفي بتخريج أفواج حائرة تبحث عن مخرج.
النتيجة كانت متوقعة: فراغ قاتل، والفراغ لا يلد إلا الفوضى. وإذا كنا صادقين، فلنعترف: كلنا مسؤولون المسؤول هو الشاب الذي انزلق، لكن أيضًا الحزب الذي خان رسالته، والجمعية التي باعت ضميرها، والمدرسة التي استسلمت للرداءة، والإعلام الذي صمت، والدولة التي تغاضت.
ما وقع ليس حادثًا عرضيًا، إنه جرس إنذار، وإذا لم نُصلح منظومتنا السياسية والمدنية والتربوية جذريًا، فسنجد أنفسنا غدًا أمام خراب أشد، حيث لا تنفع لا بيانات تنديد ولا لجان تحقيق.

