المغرب360 : محمد غفغوف
لم تكن الندوة الجهوية التي نظمتها جمعية فضاء التنمية المستدامة، الأسبوع الماضي، مجرد محطة عابرة في روزنامة العمل الجمعوي، بل شكلت لحظة وعي جماعي عميق، وفضاءً راقياً لتلاقح الأفكار حول أحد أكثر القضايا إلحاحاً في راهننا المجتمعي: المساواة في التشريعات باعتبارها مدخلاً أساسياً للأمن الإنساني والاستقرار الاجتماعي.
الندوة، التي جاءت في صيغة مسامرة فكرية علمية، عرفت حضوراً نوعياً ووازناً، جمع بين فعاليات جمعوية، وممثلين عن مؤسسات رسمية، ودكاترة وباحثين ومهنيين في مجالات القانون وحقوق الإنسان والتشريع، ما منح النقاش عمقاً علمياً وبعداً عملياً في الآن ذاته. وقد اختارت لها الجمعية عنواناً دالاً وذا حمولة إنسانية قوية: «من أجل تطويرها: تشريع يستخدم الكفاءة ويحقق المساواة»، في إحالة واضحة على الحاجة الملحة إلى مراجعة النصوص القانونية بمنطق الإنصاف لا التمييز.
أما شعار الندوة: «المساواة في التشريعات هي الضمان… باش نعيشو فالأمان»، فقد لخص بذكاء فلسفة اللقاء وأبعاده، مؤكداً أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بتشريعات عادلة تضمن الكرامة وتحمي الحقوق وتُشعر المواطنات والمواطنين بأنهم متساوون أمام القانون. إنه شعار يضع الدولة والمجتمع معاً أمام مسؤولية ترجمة الالتزامات الدستورية والدولية إلى قوانين وطنية جريئة، لا تتردد في القطع مع كل أشكال التمييز والعنف المبني على النوع الاجتماعي.

ومن بين المداخلات التي أثرت النقاش، برزت مداخلة الأستاذ المهدي العزوزي، المحامي بهيئة فاس، الذي قدم قراءة قانونية وتشريعية دقيقة لواقع المساواة في المنظومة القانونية الوطنية، مسلطاً الضوء على مكامن الخلل والنواقص التي ما تزال تعيق تحقيق الإنصاف الكامل، ومؤكداً أن أي إصلاح تشريعي حقيقي يظل رهيناً بإرادة سياسية واضحة، وتفاعل جاد مع صوت المجتمع المدني والخبراء والممارسين.
لقد تجاوزت الندوة طابعها الأكاديمي لتتحول إلى دعوة صريحة لمواصلة التعبئة المجتمعية، وحشد الجهود من أجل مناصرة قضايا المرأة، وترسيخ مبدأ المواطنة الكاملة، حيث لا تُناقش الحقوق ولا تُمنح على استحياء، بل تُكرّس باعتبارها أساس العيش المشترك.
وفي ختام هذا الحدث، كان الإجماع حاضراً على نجاح الندوة تنظيمياً وفكرياً، وهو نجاح يعود، في جزء كبير منه، إلى حنكة ورؤية رئيسة جمعية فضاء التنمية المستدامة، التي استطاعت بحنكتها وتجربتها أن تجعل من هذا اللقاء منصة حقيقية للحوار المسؤول، ورافعة فعلية لدفع النقاش العمومي نحو تشريعات أكثر عدلاً وإنصافاً.
نجاح يؤكد مرة أخرى أن العمل الجمعوي الجاد، حين يقترن بالرؤية والالتزام، قادر على إحداث الفرق وإشعال شعلة التغيير.

